انتهى الانقسام.. سوريا موحّدة وسلاحها بيد الدولة فقط

0 27

لا يُمكن لأي قارئ للأحداث في الشرق الأوسط خصوصاً، بل وما هو أبعد من ذلك، إذا لم يأخذ بعين الاعتبار الزلزال الجيوسياسي الذي لم تتضح نتائجه بعد، وهو سلسلة الحروب التي فجرها طوفان غزة في السابع من أكتوبر 2023، حيث لن يكون ما بعده مثل ما كان قبله، وبالطبع لا يمكن إغفال أهمية توريط (أو تورط) روسيا في حربها المستمرة لحد الآن والتي دخلت عامها الخامس، وذلك لترابط الملفات أو تأثيرها بشكل غير مباشر على بعضها، فالهجمات التي بدأتها روسيا وإيران (وتحوّلت إلى حروب لاحقاً) كان الغاية الرئيسية منها إخراج الولايات المتحدة ومجرتها الكونية من الدول من عرش السيادة العالمية أو ما يعرف بالأحادية القطبية، وكتابة فصل جديد من النظام الدولي يكون فيه الشرق ندّاً أو شريكاً أو منافساً على قيادة العالم..

ويضع الكثيرون نجاح البركان السوري، والذي ألقى بحمم غضب الثوار السوريين فأطاحوا بنظام الأسد، من تداعيات أو ارتدادات الزلزال الكبير في المنطقة، وبانتهاء الحرب الكبرى على د ا ع ش ودحرها وتنامي نفوذ الميليشيات في المنطقة، والتي اشتركت في الحرب على التنظيم الإرهابي، برز خطرها الكبير، خاصةً أنها إيرانية الولاء بالكامل أو إيرانية الهوى، وأساس المشروع الإيراني في المنطقة هو إنشاء ودعم ميليشيات مسلحة ما دون الدولة، ولا يهم كثيراً إن كانت شيعية أو سنية، عربية أو كردية، طالما أنها تعمل ضد الدولة الوطنية وتأتمر بأوامر الحرس الثوري ولا تعترف بالسيادة الوطنية للدول.

بدأت حرب حقيقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وأذرعها، ولم يعد لتنظيم قسد أي حاجة أمريكية، بل أصبح عبئاً على الولايات المتحدة، ولم تخدع واشنطن حلفاءها الكرد عند تشكيل قسد، حيث لم يكونوا أكثر من أداة أرضية وظيفية للحرب على د ا ع ش أولاً، والسيطرة على بقعة هامة من الجغرافيا السورية لحرمان نظام الأسد وإيران وروسيا من تحقيق نصر عسكري حاسم في سوريا يتيح لهم كتابة آخر سطر في الحرب السورية..

وبالتخلص من داعش وانهيار نظام الأسد ووصول عهد جديد يعلن أنه يريد علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وينتمي للأغلبية السورية ويحظى بدعم حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة، تركيا والأردن ودول الخليج العربية، ولا يبدي نيات حالياً عدائية اتجاه إسرائيل رغم الوسط الجهادي السني الذي خرجت منه قيادة العهد الجديد، فقد انتفت الحاجة إلى وكيل مكروه محلياً وتركياً ومشكوك في ولائه، ويتبنى عقائد ومشاريع لا تناسب البيئة المحلية السورية، ويشكّل في الوقت نفسه حجر عثرة في سبيل استعادة كامل العلاقة التحالفية بين الولايات المتحدة وتركيا، وبما أن التنظيم غريب عن البيئة التي حكمها فإنه لم تكن له حاضنة شعبية حقيقية، بمعنى أنه لا يملك قوة حقيقية داخلية تشكل مناعة له، بل إنه يعتمد بالكامل على الغطاء الأمريكي العسكري والسياسي والمالي.

بدأت العلاقة بالتحسن بسرعة وبشكل كبير بين القيادة السورية، وبدأت الإدارة الأمريكية تقدم الدعم الكبير للعهد الجديد، حيث تم لجم إسرائيل عن عدوانيتها المفرطة اتجاه سوريا إلى حد كبير، وبدأت سلسلة رفع العقوبات عن سوريا وقيادتها، وتم إعطاء الضوء الأخضر عالمياً لاحتضان القيادة السورية دبلوماسياً واقتصادياً ومالياً وتكسير الجليد بين سوريا والعالم الخارجي.

كانت كل خطوة تقرّب العلاقة بين دمشق وواشنطن تعني ابتعاد الأخيرة عن قسد عشر خطوات، تم إجبار قسد على توقيع اتفاق الاندماج في 10 آذار من العام الماضي، وهو في حقيقته ليس اندماجاً، إنما حل وتفكيك التنظيم الذي أصبحت مخاطره على الاستراتيجية الأمريكية واضحة ولا فائدة مرجوة منه، وكان مسمار نعش تنظيم قسد هو انضمام الدولة السورية للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في خريف العام الماضي، حيث باتت السياسة الأمريكية واضحة: إذا توفرت الدولة فما الحاجة إذاً لتنظيمات ما دون الدولة؟.

بعض الرؤوس الحامية والعقائديين أو القوميين الشوفينيين لم يستوعبوا المتغيرات الجديدة، وبالأساس لم يدركوا حقيقة العلاقة بين قوة عظمى وتنظيم ميليشياوي محلي، واعتقدوا أن الزواج مع الولايات المتحدة نصرانياً بمعنى أحادياً ومؤبداً، وأقدموا نتيجة تلك الأوهام على محاولة افتعال حرب مع الدولة السورية واستفزازها لارتكاب أخطاء يستغلها اللوبي الصهيوني في واشنطن ويعرقل عملية التخلي عن قسد بحجة حماية الأقليات واستنساخ نموذج كردستان العراق في سوريا، وكانت مناوشات الشيخ مقصود في بداية العام الحالي هي آخر الأدوات لخلط الأوراق، وهي تُعبّر عن مراهقة سياسية كبيرة لمن قام بذلك، تخلى الأمريكيون عن قسد بالكامل ولم تكن قواهم العسكرية تمكّنهم من الصمود لساعات في كل نزال خاضوه مع الجيش العربي السوري..

استعملت القيادة السورية الحزم وسعة الصدر والحد الأدنى من القوة، وسحبت العشائر العربية من قسد، فانكفأ التنظيم وانحاز إلى مناطق ضيقة، عندها تم توقيع اتفاق 29 كانون الثاني من العام الجاري، وأصبح قرار الاندماج قسرياً، حيث تم تجريد التنظيم من معظم أدوات القوة التي كان يمتلكها.

يرى بعضهم أن القيادة السورية ذات التوجه الإسلامي لا تملك أي حساسية اتجاه القوميات المسلمة غير العربية، حيث يفهم أغلب الإسلاميون مفهوم الأمة بالأمة الإسلامية وليس العربية أو السورية، لذلك كان نهج حل المشكلة دون إراقة الدماء هو الغاية التي ضبطت إيقاع القيادة السورية في الوصول إلى أهدافها، وكان حزمها نابعاً من فشل تجربتي العراق ولبنان المجاورتين لسوريا في رفض أي بناء للدولة يتم على محاصصات إثنية أو طائفية أو دينية، بل انتهاج منهج علمي في بناء دولة المواطنين التي تقوم على عقد حقوقي بين المواطن والدولة يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق وتترتب عليهم نفس الواجبات.

قد تستفيد الولايات المتحدة والدول الإقليمية من نجاح النموذج السوري في عملية الدمج وعدم السماح بوجود سلاح غير سلاح الدولة وبناء نموذج الدولة الوطنية المركزية المستقرة، في طرحها كتجربة ناجحة في تفكيك الميليشيات في العراق ولبنان وتسليم الميليشيات في البلدين سلاحها إلى الدولة ومحاكاة النموذج السوري للتخلص من هيمنة النموذج الإيراني الذي لا يعرف غير الميليشيات وإضعاف الدول الوطنية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني