القنيطرة.. كيف تتحول الموارد والقرب من دمشق إلى محرك للتنمية؟

0 10

تبدو القنيطرة، للوهلة الأولى، محافظة صغيرة ومحاصرة بقيود كثيرة: بنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، طاقة مكلفة، تمويل محدود، وواقع أمني يفرض نفسه على أجزاء من ريفها. لكن النظر إليها من زاوية أخرى يكشف معادلة مختلفة. فالأرض الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، والقرب من دمشق، يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد محلي قابل للنمو إذا جرى التعامل معها باعتبارها حلقات في اقتصاد واحد، لا موارد منفصلة.

البداية الطبيعية هي الزراعة، لكن نقطة القوة الحقيقية تكمن في استعادة قدرتها على الإنتاج بكفاءة. فإصلاح شبكات الري قد يبدو إجراءً خدمياً بسيطاً، لكنه في اقتصاد ريفي يمكن أن يعيد تشغيل الأرض نفسها. في 2026 أعيد خط ري قصيبة إلى الخدمة بعد توقف دام 15 عاماً، ليستفيد منه نحو 500 دونم، فيما بدأت أعمال إصلاح خط أوزد في الريف الجنوبي لإيصال المياه إلى أكثر من 200 هكتار لم تصلها منذ 2011. هذه الأعمال تكشف أين يمكن أن تبدأ التنمية: من إعادة تشغيل الأصول الموجودة قبل البحث عن استثمارات جديدة.

لكن الأرض في القنيطرة ليست كلها متاحة بالدرجة نفسها. قرب خط الفصل، أصبح الوصول إلى الحقول والمراعي جزءاً من المشكلة الاقتصادية نفسها. ففي الرفيد، احتاج المزارعون خلال موسم الحصاد إلى ترتيبات نسقتها الأندوف للوصول إلى أراضيهم بأمان، وقال محمد هجرس الفهد، من أهالي البلدة، لوكالة سانا إن الترتيبات سمحت للمزارعين بالعمل في أراضيهم يومياً من السادسة صباحاً حتى السادسة مساءً.. وفي مناطق أخرى، ترافقت التوغلات الإسرائيلية مع اقتطاع أراضٍ زراعية ورش مواد كيميائية مجهولة على حقول ومراعٍ. هنا لا يعود الأمن خلفية للمشهد الاقتصادي؛ بل يصبح عاملاً يحدد أين يمكن الزراعة والاستثمار أصلاً.

المسافة يمكن أن تتحول إلى ميزة اقتصادية إذا رافقها استثمار في الطرق والخدمات اللوجستية ومراكز التبريد والتجميع. فالسوق الدمشقية لا تحتاج إلى أن تُبنى من جديد

لهذا ينبغي أن تكون التنمية في القنيطرة ذات بعد جغرافي واضح. المشاريع الأولى يجب أن تتجه إلى المناطق التي تسمح ظروفها الأمنية بالعمل والاستثمار، بينما تُبنى خطط إعادة تأهيل المناطق المتضررة بالتوازي مع تحسن شروط الوصول والاستقرار. وهذا أكثر واقعية من توزيع المشاريع بالتساوي على خريطة لا تتساوى مناطقها في مستوى المخاطر.

ثم يأتي السؤال الذي يحدد قيمة الزراعة نفسها: ماذا يحدث للمحصول بعد خروجه من الأرض؟ إذا بقي التفاح أو الخضار أو الحليب مادة خاماً تباع عند باب المزرعة، ستظل حصة المنتج من القيمة محدودة. أما إنشاء مراكز للتجميع والفرز والتبريد والتوضيب، ثم ربطها بالتصنيع والتوزيع، فيخلق اقتصاداً جديداً حول المنتج نفسه. الحليب يمكن أن يتحول إلى ألبان وأجبان معبأة، والخضار والتفاح إلى منتجات قابلة للتخزين والتسويق على مدار فترة أطول. عندها يصبح الإنتاج الزراعي أساساً لنشاط اقتصادي يتجاوز حدود الحقل.

وينطبق الأمر نفسه على الثروة الحيوانية، التي تمثل مصدر دخل مهم وأحد مكونات الأمن الغذائي في المحافظة. تحسين الخدمات البيطرية والأعلاف ضروري، لكن العائد الأكبر يأتي عندما تدخل الألبان والأجبان واللحوم في حلقات تصنيع محلية، فتحتفظ المحافظة بجزء أكبر من القيمة التي تنتجها.

هنا تظهر ميزة القنيطرة الأوضح: دمشق قريبة، وهذه المسافة يمكن أن تتحول إلى ميزة اقتصادية إذا رافقها استثمار في الطرق والخدمات اللوجستية ومراكز التبريد والتجميع. فالسوق الدمشقية لا تحتاج إلى أن تُبنى من جديد؛ المطلوب هو بناء الجسر الذي يصلها بمنتجات القنيطرة، بصورة منتظمة وبجودة قابلة للتسويق.

يبقى تشغيل هذه المنظومة مرتبطاً بالطاقة والتمويل. الطاقة الشمسية يمكن أن تخفف تكلفة تشغيل الآبار ومراكز التبريد والمشروعات الصغيرة، فيما ينبغي أن يرافق التمويل سلسلة القيمة من بدايتها إلى نهايتها، بدلاً من تمويل المنتج منفرداً وترك حلقات التجميع والتصنيع والتسويق بلا موارد.

أما السياحة الريفية والبيئية، فيمكن أن تنمو تدريجياً كمصدر دخل إضافي، لكن ترتيب الأولويات يفرض أن تأتي بعد إعادة بناء الاقتصاد الزراعي والغذائي.

التحدي أمام القنيطرة ليس اكتشاف ثروات جديدة؛ مواردها معروفة. التحدي هو إعادة وصل ما انقطع بينها: الماء بالأرض، والأرض بالتصنيع، والتصنيع بالسوق، والاستثمار بالاستقرار. وإذا نجحت في بناء هذه الروابط تدريجياً، فإن قربها من دمشق لن يبقى مجرد حقيقة جغرافية، بل يمكن أن يتحول إلى إحدى أهم مزاياها الاقتصادية في مرحلة التعافي السوري.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني