الشرعية في سوريا: من البحث عن الرغيف إلى الكرامة والحرية

0 30

لطالما تردد في أروقة الفلسفة السياسية قول يختصر مسيرة الإنسان بأن “تاريخ البشرية هو في جوهره تاريخ البحث عن الطعام”، وهي مقولة تعيد تذكيرنا بأن كل النظم السياسية والاجتماعية بُنيت في الأصل لتأمين البقاء والاستقرار المعيشي.

وفي الواقع السوري المعاصر، تكتسب هذه الفكرة أبعاداً وجودية تتجاوز مجرد التنظير، إذ تصبح قدرة السلطة على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية هي المعيار الوحيد والشرعي الذي تُبنى عليه الثقة ويُستعاد به الاستقرار. إن الشرعية اليوم ليست مجرد اعترافات ديبلوماسية، بل هي قدرة الدولة على تحويل “البحث عن الطعام” من صراع يومي مرير إلى حق مكفول يتيح للإنسان السوري الالتفات نحو بناء مستقبله في أمان وكرامة.

وعندما نتأمل في لغة الأرقام التي تعكس واقع الحال في عام 2026، ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق أي سلطة تطمح لكسب ود الناس واعترافهم؛ إذ تشير البيانات الميدانية إلى أن دائرة الفقر قد اتسعت لتشمل أكثر من 80% من السوريين، ما يجعل الغالبية العظمى في حالة بحث مستمر عن سبل العيش الأساسية. هذا الواقع تترجمه أيضاً أرقام انعدام الأمن الغذائي التي تطال نحو 12 مليون شخص، وهو ما يجعل من “اقتصاد الرغيف” حجر الزاوية في أي خطاب جامع يهدف إلى لم شمل المجتمع وترميم الجسور المكسورة بين المواطن ومؤسساته.

وليس المعيار الوحيد للشرعية محصوراً في توفير الاحتياجات المعيشية، بل يمتد ليشمل الحريات والحقوق السياسية، التي تشكل الأساس لضمان مشاركة المواطنين في صنع القرار وحماية كرامتهم الإنسانية. وفي هذه المرحلة، توجد بعض الحريات السياسية والحق في التعبير، إلا أن هناك قلقاً مشروعاً لدى المواطن السوري من أن يخسر هذه الحريات في أي لحظة. فغياب الأمان السياسي المستدام والضمانات الحقيقية لحرية الفكر والرأي يجعل الاحتياجات المادية نفسها عرضة للتدهور والتراجع. إن الشرعية الحقيقية هي تلك التي تجمع بين القدرة الاقتصادية والأمن المجتمعي، وبين الكفاية الحياتية من جهة، وحرية الرأي وحق المواطنة المكفولة من جهة أخرى، لتؤمن بيئة يسودها الأمن والاستقرار الحقيقي.

هذا الواقع يفرض على السلطة ليس فقط مواجهة معضلة البطالة التي استشرت في مفاصل المجتمع وتجاوزت معدلاتها 50% بين فئة الشباب والقادرين على العطاء، بل أيضاً تحدي بناء نظام أمني يحفظ الحقوق ويكفل السلامة الشخصية للجميع دون تمييز. فغياب الأمن السياسي وانعدام الحريات يعمقان الهشاشة الاجتماعية، ويزيدان من تعقيد الأزمة الاقتصادية والسياسية.

لذا، فإن النهج الشامل الحقيقي يفرض بالضرورة التحول نحو سياسات شاملة تضع الإنسان في مركز الاهتمام. سياسات تنطلق من تحفيز الإنتاج المحلي وتأمين الخدمات الحيوية من كهرباء وماء وتعليم، باعتبارها الركائز التي يشعر من خلالها السوريون بأن السلطة وجدت لخدمتهم لا لإرهاقهم. وعلى الصعيد السياسي، تتطلب هذه السياسات ضمان الحريات الدستورية، وتفعيل المؤسسات التي تمثل طموح الشعب في المشاركة والشفافية، وهو ما يشكل بدوره عامل ثقة يعزز الاستقرار ويذيب فجوة الخوف والشك.

إن تاريخ البحث عن الطعام يجب أن ينتهي عند عتبة دولة توفر لمواطنيها الكفاية والكرامة، وحماية الحقوق، وفضاءً آمناً للعيش والتعبير، لتصبح الشرعية حينها ثمرة طبيعية للازدهار المشترك والعدالة في توزيع الموارد، وشرطاً لا غنى عنه لصناعة سلام مستدام يسع الجميع.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني