
الشؤون الصحية في درعا بين الواقع والأهداف
محافظة درعا هي إحدى المحافظات السورية، وهي بشكل عام ريفية الطابع والثقافة، وزراعية النشاط والاقتصاد، وتتميز المحافظة بالاستتباب الأمني والاستقرار السياسي، مع التبعية الوطنية الكاملة للدولة المركزية، وإن درعا أنموذج متميز من هذه الناحية.
وقد تم التطرق إلى المواضيع والقضايا المختلفة للمحافظة، ومعها المطالبات ومقترحات الحلول.
وسوف نسلّط الضوء الآن على قطاع الطبابة والشؤون الصحية في كامل المحافظة، لأن هذا القطاع ومستواه من أهم معايير نجاح الدول.
إن واقع الخدمات الصحية من خلال المستشفيات ومراكز الطبابة العامة والخاصة أيضاً هو رديء، وهو بمستوى منخفض، حيث يوجد في المحافظة شبكة من المراكز الصحية الحكومية، وهي المشفى الوطني في مدينة درعا، ويعضده هيكل من المشافي المتوسطة، مثل مشافي كلٍّ من الصنمين ونوى وجاسم وطفس وإزرع وبصرى الشام والحراك وصيدا، وهناك عدد من المستوصفات ومراكز الرعاية، ويتوازى مع هذه الشبكة الحكومية بعض المشافي الخاصة، إضافة إلى العيادات بمعظم الاختصاصات.
وضمن المحافظة هناك قدرات متواضعة لبعض الخدمات التخصصية، مثل تخطيط الأعصاب والتصوير الشعاعي والرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي وغسيل الكلى.
ولكن هناك سوء في الإدارة والتخديم، ودليل ذلك الشكاوى المتراكمة والمتفاقمة، وهناك ازدحام وفرق كبير بين الحاجة والضرورة وما هو متوفر من الخدمات الطبية التقنية، إضافة إلى الارتفاع الباهظ لكلفة الطبابة والتداوي مقارنةً مع الدخل المنخفض أو المتواضع.
نعم، هذا هو الواقع، ونعلم أن محافظة درعا، كغيرها، قد تعرضت لحرب وتدمير شامل، ولكن رغم ذلك، هل نقف عاجزين عن حلول لا بد منها؟
لا، طبعاً، يجب أن نقوم بحلول، حيث إنه أثناء الحرب التدميرية التي شنّها النظام المخلوع على سورية، وقد خاضتها محافظة درعا بطولها وعرضها، ومن المعروف أن من أكبر وأفظع الآثار والتبعات لهذه الحرب ما كانت تطال الواقع الصحي، حيث:
1- كان يتم استهداف المشافي ومراكز الطبابة بشكل مركز، وقد تدمر أو تضرر معظمها.
2- لقد كان عدد الجرحى في ازدياد مستمر بين المدنيين من شيوخ ونساء وأطفال، وبين المقاتلين.
3- لقد تم اعتقال أو تهجير أو هجرة ونزوح نسبة كبيرة من الأطباء.
4- لقد تعرضت المحافظة للحصار، فجرى منع معظم الناس من الخروج، أو تخوّفهم من تجاوز الحواجز المرعبة للنظام، وكذلك تم إغلاق الحدود الخارجية، فكان يضطر الجميع للتداوي والعلاج داخل المحافظة.
5- لم يكن يتلقى القطاع الصحي أي دعم مالي من أية جهة، ما عدا بعض الدعم من المنظمات الأممية والإنسانية، إضافة إلى تبرعات الحاضنة الشعبية.
ومع كل ذلك، فقد كان واقع الخدمات الصحية وحالة قطاع الطبابة في تلك الفترة المشؤومة أفضل من واقعها وحالتها اليوم! هل هذا معقول؟ كيف؟
الجواب: لقد كانت معظم خدمات وإجراءات الطبابة والتداوي تُجرى بشكل مجاني، رغم أنها كانت في معظم الأحيان عمليات جراحية معقدة في الجسم، مثل الأوعية الدموية والأعصاب والعظام، وذلك مما ينتج بشكل يومي عن المعارك الميدانية والاشتباكات، وعن طريق القصف الهمجي والعشوائي والأسلحة ذات التدمير الشامل والفتاكة، إضافة إلى العمليات الداخلية للقلب والكبد والكلى وغيرها، مع الطب العام والتوليد المجاني، وكل ما سبق من عمليات مع الإقامة والخدمات بشكل مقبول.
ومن الواجب شكر وتكريم عدد من الأطباء المميزين الذين كانوا يغامرون ويضحّون بأنفسهم أمام القصف والاستهداف لكي يقدموا خدماتهم.
لقد أسلفنا هذا العرض لكي نقول:
اليوم تغيرت الظروف والمعطيات، حيث عاد إلى البلاد عدد كبير من الأطباء، ولقد توقف القصف وتدمير ما تم إنشاؤه من مستشفيات ومراكز طبية.
أما الدعم، فلا يزال هناك بعض الدعم من خلال المنظمات حتى هذا التاريخ، كما أن التبرعات موجودة وقابلة للزيادة، ومن المفروض أن يُضاف إلى ما سبق دعم حكومي.
كما أنه من المفروض نمو وازدهار القطاع الخاص الصحي.
فلماذا هذا الواقع، وما هي الحلول والمقترحات؟
1- يجب تقديم دعم حكومي بموازنة واعتمادات وأرقام واضحة، وبشكل شفاف، وتحت إشراف جهة حكومية مهنية نزيهة، مع آلية احترافية للرقابة والمتابعة.
2- يجب رعاية التبرع واحترام المتبرعين وإعطاؤهم المجال المطلوب لاختيار الأساليب غير المخالفة للعرف والقانون، مع عدم الإصرار على إظهار تبنّي الحكومة للمشروع والتدشين، الذي يُفهم بأنه تجيير للحكومة وتهميش ونكران للمتبرعين.
3- يجب تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي بشكل متوازن، يحفظ حقوق المستثمرين ويضمن أرباحهم ويحمي منشآتهم، بالتوازي مع التسهيل على المواطن وعدم استغلاله.
4- يجب الاستمرار في تقديم أقصى ما يمكن تقديمه من دعم حكومي صحي، كما يجب إلغاء أي ضريبة تتعلق بمستلزمات الخدمات الصحية.
5- يجب توفير الخدمات الطبية التقنية وزيادة وفرتها، مثل التصوير الطبقي المحوري والرنين المغناطيسي وغسيل الكلى والجرعات الكيماوية لمرضى السرطان وغير ذلك، ويجب توفيرها محلياً لتسهيل الحصول عليها.
وهذا شيء ممكن بمبالغ مقبولة ومقدور عليها ضمن القدرات الحالية المتاحة.
ما تقدم كان عرضاً لأحوال القطاع الصحي في درعا بين الواقع المؤسف والواقع المأمول، وهو من أبسط الحقوق وأكثرها ضرورة.