السوريون في ألمانيا: هل تتحول الخبرات الطبية في الخارج إلى رافعة لإعادة بناء النظام الصحي في سوريا الجديدة؟

0 45

لا يُقاس تعافي بلد أنهكته الحرب بعدد المستشفيات التي يعاد افتتاحها فحسب، بل بقدرة المرضى على الوصول إلى العلاج، وبوجود منظومة صحية تحمي حقهم فيه، بصرف النظر عن دخلهم ومكان إقامتهم. وفي سوريا، حيث خلّفت سنوات الحرب أضراراً واسعة واحتياجات طبية متراكمة، يبرز تحدي الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى بناء نظام صحي مستدام.

من ألمانيا، يستعيد الدكتور حسن عيد، عضو مجلس إدارة الجمعية الألمانية السورية الحرة في هامبورغ، تجربة الجمعيات السورية في دعم القطاع الصحي خلال سنوات الثورة، ويطرح سؤال المرحلة المقبلة: كيف تتحول خبرات الإغاثة واستعداد الكفاءات السورية في الخارج إلى مساهمة منظمة في إعادة البناء؟ ويرى عيد أن التجربة الألمانية تقدم دروساً يمكن لسوريا الاستفادة منها، شرط تكييفها مع واقع البلاد وإمكاناتها.

من الإغاثة إلى بناء المؤسسات:

يقول الدكتور حسن عيد إن النظام السوري السابق استهدف قطاعات حيوية خلال سنوات الثورة، شملت المدارس والمستوصفات والمرافق والكوادر الطبية، إلى جانب الزراعة والبنية التحتية. وأمام اتساع الأضرار، سعت جمعيات سورية في الخارج، ولا سيما في ألمانيا، إلى سد النقص وتخفيف المعاناة.

ويوضح أن الجمعية الألمانية السورية الحرة في هامبورغ، إلى جانب جمعيات سورية أخرى في ألمانيا، شاركت في جمع المواد والمستلزمات الطبية وإرسالها إلى سوريا، حيث كانت الحاجة إليها كبيرة. وأسهم التنسيق بين الجمعيات في اكتساب خبرة عملية في تحديد الاحتياجات وتنظيم المساعدات ونقلها، رغم الصعوبات التي واجهت إيصالها.

لكن احتياجات المرحلة الحالية تتجاوز المساعدة العاجلة؛ إذ تتطلب إعادة تشغيل المؤسسات الصحية، وتوفير التجهيزات اللازمة، وضمان استمرارية الخدمات. فالتحدي لا يقتصر على إيصال المساعدات، بل يشمل تحويل الخبرة الإغاثية المتراكمة إلى تعاون مؤسسي يستجيب لاحتياجات المستشفيات والمرضى.

ماذا يمكن أن تتعلم سوريا من ألمانيا؟

يرى الدكتور حسن عيد أن التجربة الألمانية تقدم دروساً في تنظيم الخدمات الصحية، من بينها نظام التأمين الصحي ومساهمة الأفراد في اشتراكاته وفق الدخل، ضمن قواعد وحدود محددة. ويشير إلى أن المنظومة تشمل العلاج والفحوص الطبية والتوعية الصحية، وتوفر إطاراً منظماً لتقديم الخدمات.

لكنه يؤكد أن نقل النموذج الألماني إلى سوريا بصورة مطابقة ليس واقعياً؛ فاختلاف الظروف الاقتصادية والإمكانات والبنية المؤسسية يفرض دراسة الجوانب القابلة للاستفادة وتكييفها مع الاحتياجات السورية. والمطلوب، بحسب رؤيته، ليس استنساخ تجربة أجنبية، بل بناء نظام يناسب الواقع المحلي ويساعد على تنظيم الخدمات واستمراريتها.

«تحت خط الصفر»: من أين تبدأ إعادة البناء؟

يصف الدكتور عيد وضع المنظومة الصحية السورية بأنه «تحت خط الصفر»، مؤكداً أنه لا توجد «عصا سحرية» لإعادة بنائها في وقت قصير. ويرى أن البداية العملية تتمثل في إعادة تشغيل المستشفيات القائمة، وتوفير الأجهزة الطبية الناقصة، وتأمين الخدمات العاجلة، بالتوازي مع الاستفادة من الكفاءات السورية في الخارج.

ويشير إلى أن أطباء سوريين في ألمانيا شكلوا فرقاً طبية وتوجهوا إلى سوريا لإجراء عمليات جراحية دون مقابل. ويرى أن توسيع هذه المبادرات يمكن أن يخفف النقص، إذا أُتيح للفرق والمتبرعين تقديم العلاج والتجهيزات اللازمة وفق احتياجات المؤسسات الصحية.

ولا تقتصر مجالات الدعم على العمليات الجراحية، بل تشمل تشخيص الأمراض وعلاجها، وتوفير الأدوية والمعدات، وتجهيز المستشفيات، وتنظيم ورشات عمل تجمع الأطباء داخل سوريا وخارجها لتبادل الخبرات. كما يشدد د. عيد على أهمية التوعية الصحية، والتعاون بين الحكومة والمنظمات الإغاثية والطبية لتقديم الخدمات إلى ذوي الدخل المحدود والفئات الأكثر احتياجاً.

ويتحدث د. عيد عن مشروع يتيح للأطباء العمل داخل سوريا لفترات تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع، بحسب الاختصاص، ضمن إطار تنظيمي محدد. ويرى أن مثل هذه المبادرات تتيح الاستفادة من خبرات الأطباء السوريين في الخارج وتقديم المساعدة مباشرة إلى المؤسسات الصحية.

«أمر سيادي»: تنظيم مساهمة الأطباء في الخارج:

يؤكد د. عيد أن الكفاءات الطبية السورية المنتشرة في أنحاء العالم، ولا سيما في ألمانيا، تستطيع تقديم مساهمة مهمة في دعم القطاع الصحي. ويقول، متحدثاً عن نفسه وعن زملائه، إنهم مستعدون لتقديم ما يستطيعون من مساعدة.

لكنه يشدد على أن تنظيم هذه المساهمة «أمر سيادي» تتولى الدولة الإشراف عليه. ويدعو إلى تسهيل زيارات الفرق الطبية وإجراءات الدخول والخروج، وتنظيم إدخال المستلزمات والأدوية عند الحاجة، وربط الأطباء بالمنظمات الطبية العاملة داخل سوريا، إلى جانب تنظيم لقاءات وورشات لتبادل الخبرات.

ويشير د. عيد إلى وجود قيود على إدخال الأدوية والأجهزة الطبية، بحسب قوله، ويرى أن تسهيل الإجراءات وتنظيم التعاون مع الجهات الطبية داخل البلاد يساعدان على توجيه الموارد نحو الاحتياجات الفعلية وتجنب تشتت الجهود.

بالنسبة إلى د. عيد، لا تكمن الفرصة في استعداد الأطباء السوريين في الخارج وحده، بل في قدرة الدولة على تحويل هذا الاستعداد والخبرة الإغاثية المتراكمة إلى تعاون منظم ومستدام. فإعادة بناء القطاع الصحي لا تعني ترميم المرافق وتزويدها بالأجهزة فحسب، بل استعادة قدرة المؤسسات على تقديم خدمات منتظمة وحماية حق المواطنين في العلاج.

بعد سنوات كان فيها العمل الإغاثي استجابة للنقص والدمار، تملك سوريا فرصة للاستفادة من خبرات أبنائها في الخارج. فهل تستطيع سوريا الجديدة تحويل تضامن أطبائها وخبراتهم إلى شراكة منظمة تعيد تشغيل المستشفيات، وتجعل العلاج حقاً متاحاً لكل مريض، لا امتيازاً تحدده قدرته على الدفع أو مكان إقامته؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني