
السوريون في ألمانيا: من البحث عن فرصة إلى صناعة القيمة: كيف تتحول الكفاءة السورية إلى دور مجتمعي؟ (4-5)
بعد سنوات انشغل فيها السوريون في ألمانيا بأسئلة الوصول، والإقامة، وفهم النظام الجديد، دخلت التجربة السورية مرحلة مختلفة تحمل أسئلة أكثر ارتباطاً بالمستقبل.
لم يعد السؤال فقط: هل استطاع السوريون التأقلم مع المجتمع الألماني؟
بل أصبح: ما الدور الذي يمكن أن يصنعه السوريون داخل هذا المجتمع؟
وهل تحولت التجربة من مرحلة البحث عن الاستقرار إلى مرحلة بناء الكفاءات، والاستقلال، والمساهمة؟
ومن خلال خبرته في مجالات التأهيل المهني، والإرشاد، ومتابعة ملفات العمل ومعادلة الشهادات، يرى المرشد التربوي عقبة الجاسم أن السوريين قطعوا خلال السنوات الماضية مراحل مهمة، لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى استثمار أكبر في المعرفة، والتخطيط، واختيار المسارات المناسبة.
معادلة الشهادات.. من الاعتراف بالمؤهل إلى بناء المسار المهني:
في السنوات الأولى لوصول السوريين إلى ألمانيا، كانت قضية الاعتراف بالشهادات وتحويل الخبرات السابقة إلى فرص داخل سوق العمل من أبرز التحديات.
فالكثير من أصحاب الشهادات والخبرات كانوا يمتلكون قدرات مهنية حقيقية، لكنهم كانوا بحاجة إلى فهم النظام الألماني، ومعرفة الإجراءات، واكتشاف الطريق الذي يسمح لهم بالاستفادة من خبراتهم.
ومع مرور الوقت، تغير المشهد. فعدد أكبر من السوريين أصبح يمتلك خبرة في التعامل مع هذه المسارات، وأصبح بعض من خاضوا تجربة الاعتراف بالمؤهلات أو إعادة بناء المسار المهني مصدر توجيه للآخرين.
وهذا يعكس تحولاً مهماً؛ إذ لم تعد الجالية فقط تبحث عن المعلومات، بل بدأت تنتج معرفة خاصة بها وتتراكم لديها الخبرات.
سوق العمل.. التحدي لم يعد الدخول فقط بل الاختيار:
أصبح حضور السوريين في سوق العمل الألماني واضحاً في قطاعات متعددة.
هناك من دخل التدريب المهني، ومن أعاد بناء مساره الأكاديمي، ومن استطاع الوصول إلى وظائف مرتبطة بتخصصه وخبرته.
لكن التحدي في المرحلة الحالية لم يعد فقط الوصول إلى فرصة عمل، بل اختيار الطريق الأكثر ملاءمة.
ففي بعض الحالات قد يتأثر القرار المهني بتجارب المحيط القريب؛ فيختار الشخص مجالاً لأن أحد المعارف نجح فيه، وليس بالضرورة لأنه يناسب قدراته أو طموحاته.
وهذا قد يؤدي إلى تركّز أعداد كبيرة في بعض المجالات، مقابل بقاء مجالات أخرى بحاجة إلى طاقات وخبرات جديدة.
لذلك فإن المشكلة الأساسية ليست دائماً غياب الفرص، بل الحاجة إلى معلومات مهنية تساعد الإنسان على رؤية الخيارات واتخاذ قرار مبني على المعرفة.
التوجيه المهني.. من اختيار وظيفة إلى بناء مستقبل:
يرى الجاسم أن التوجيه المهني يجب ألا يُفهم على أنه مساعدة مؤقتة لاختيار وظيفة فقط، بل هو عملية مستمرة ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته.
فالإنسان يحتاج إلى أن يعرف:
ما المجالات التي تناسب قدراته؟
ما المهن التي يحتاجها المستقبل؟
كيف يطور مهاراته؟
وكيف ينتقل من عمل مؤقت إلى مسار مهني مستقر؟
وفي مجتمع مثل ألمانيا، حيث تتعدد المسارات التعليمية والمهنية، تصبح القدرة على الاختيار عاملاً أساسياً في النجاح.
فالكثير من الفرص موجودة، لكن الوصول إليها يحتاج إلى معرفة الطريق.
من تلقي الدعم إلى بناء الاستقلال:
لا تسير رحلة الانتقال نحو الاستقلال بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص.
فهناك من استطاع خلال فترة قصيرة تعلم اللغة، ودخول سوق العمل، وتحمل مسؤولية حياته بشكل مستقل.
وفي المقابل، توجد فئات ما تزال بحاجة إلى دعم بسبب ظروف خاصة مرتبطة بالعمر، أو الصحة، أو الوضع الاجتماعي، أو صعوبات اكتساب المهارات الجديدة.
ويرى الجاسم أن قراءة التجربة تحتاج إلى توازن؛ فوجود أشخاص يحتاجون إلى المساعدة لا يلغي وجود نماذج كثيرة استطاعت بناء طريق ناجح.
والعامل الأساسي يبقى قدرة الإنسان على التعلم، ورغبته في التطور، واستثماره للفرص المتاحة.
الاستقلال الاقتصادي.. أبعد من مشروع صغير:
يرى الجاسم أن مفهوم الاستقلال الاقتصادي يحتاج إلى نظرة أوسع.
فالمشاريع الصغيرة والأعمال الخاصة تمثل خطوة مهمة، وتوفر فرصاً ودخلاً، ولها دور في حياة كثير من الأشخاص.
لكن الاستقلال الحقيقي لا يرتبط فقط بامتلاك مشروع أو الحصول على وظيفة، بل بأن يصبح الإنسان جزءاً فاعلاً من دورة الإنتاج والمعرفة.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال التخصص، أو الخبرة المهنية، أو مشروع قائم على مهارة ومعرفة، أو مساهمة في قطاعات تحتاج إلى الكفاءات.
فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى أيدٍ عاملة، بل يحتاج أيضاً إلى أصحاب أفكار وخبرات وقدرة على التطوير.
من المبادرات الفردية إلى شبكة تأثير:
خلال السنوات الماضية ظهرت مبادرات وتجمعات سورية في مجالات مختلفة، منها المهنية والطبية والاجتماعية.
وهذه المبادرات تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التنظيم وربط الخبرات الموجودة.
فالقيمة الكبرى لا تكمن فقط في نجاح أفراد منفصلين، بل في تحويل هذه النجاحات إلى شبكة معرفة وخبرة يمكن أن يكون لها أثر أوسع داخل المجتمع الألماني.
فالكفاءة الفردية تصبح قوة حقيقية عندما تتحول إلى تعاون ومشاركة.
من الوجود إلى التأثير:
يدخل السوريون في ألمانيا مرحلة جديدة من تجربتهم.
فالسؤال لم يعد فقط: كيف يحصل السوري على فرصة؟
بل أصبح: كيف يصنع قيمة؟ وكيف يحول نجاحه الشخصي إلى مساهمة تتجاوز تجربته الفردية؟
فالانتقال الحقيقي لا يكون فقط من اللجوء إلى الإقامة، ولا من الدعم إلى العمل، بل من الوجود إلى التأثير.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلة السوريين في ألمانيا:
مرحلة بناء حضور يقوم على الكفاءة، والمعرفة، والمشاركة في صناعة المستقبل.