السوريون بين الدولة والمجتمع: هل يقود إلغاء وزارتي الثقافة والإعلام إلى تحرير الفضاء العام؟

0 53

بين فكرة جريئة وسؤال أكبر:

في صباح السادس من أيار/مايو 2026، طرح الكاتب والسياسي ورئيس تحرير صحيفة نينار برس المستقلة أسامة آغي فكرة مباشرة وصادمة في آن: إلغاء وزارتي الثقافة والإعلام في سوريا.

في منشور على صفحته في فيسبوك، كتب:

“أدعو قيادتنا السياسية برئاسة رئيس الجمهورية الرئيس أحمد الشرع إلى إلغاء وزارتي الثقافة والإعلام وجعل البديل هيئة وطنية عليا للآداب والفنون والتراث والفكر.

إلغاء الوزارتين يتيح للهيئة مساحة حريات تنعكس على كل أبواب الفكر والإبداع.

كما أدعو إلى رفع يد السلطة السياسية عن إدارة النقابات والاتحادات والجمعيات لتصير منظمات مجتمع مدني تنهض بمهامها دون نظام أوامر سياسي. هكذا تبدأ عمليات تطوير بنى المجتمع الوطنية”.

لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن في جرأته فقط، بل في السؤال الذي يفتحه: هل تكمن أزمة الفضاء الثقافي والإعلامي في شكل المؤسسات… أم في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع؟

الدولة الراعية… أم الدولة الضابطة؟

لطالما لعبت وزارات الثقافة والإعلام دوراً مزدوجاً: دعم الإنتاج الثقافي من جهة، وتنظيم المجال العام من جهة أخرى. غير أن هذا التوازن يختل في سياقات سياسية معينة، حين تتحول “الرعاية” تدريجياً إلى “ضبط”.

عند هذه النقطة، لا تعود الثقافة مساحة مفتوحة، بل تصبح جزءاً من بنية السلطة، تخضع لمنطقها وحدودها. وهنا يمكن قراءة الدعوة إلى إلغاء الوزارتين لا كإجراء إداري، بل كمحاولة لإعادة تعريف دور الدولة نفسها: هل تنتج الدولة الثقافة؟ أم تكتفي بحمايتها وضمان تعدديتها؟

“الهيئة الوطنية”: تحرير أم مركزية جديدة؟

يقترح الطرح استبدال الوزارتين بهيئة وطنية عليا، وهي فكرة تحمل احتمالين متناقضين.

إذا تمتعت هذه الهيئة باستقلال فعلي، وابتعدت عن السلطة التنفيذية، وقامت على تمثيل مهني حقيقي، فقد تفتح المجال أمام تعددية أوسع، وتخفف من الرقابة المباشرة على الإبداع والإعلام.

لكن الاحتمال الآخر قائم بالقدر نفسه: إذا بقيت خاضعة لآليات التعيين السياسي، فقد تتحول إلى نسخة أكثر تركيزاً من الوزارات نفسها.

هنا، لا يعود السؤال عن الشكل، بل عن الجوهر: هل نحن أمام تفكيك للمركزية… أم إعادة إنتاجها بصيغة جديدة؟

النقابات: من التمثيل إلى الاستقلال:

الشق الثاني من الطرح – فصل النقابات والاتحادات عن السلطة السياسية – لا يقل أهمية.

ففي الأصل، يفترض أن تمثل هذه الكيانات أعضاءها، وأن تعبر عن مصالحهم، وأن تفاوض باسمهم. لكن في تجارب كثيرة، تتحول تدريجياً إلى هياكل شبه رسمية، تفقد استقلالها، وتصبح أقرب إلى امتداد إداري للدولة.

فصلها عن السلطة قد يفتح الباب أمام تمثيل حقيقي ونخب مستقلة، لكن هذا التحول لا يتحقق بقرار إداري وحده، بل يتطلب بيئة قانونية ضامنة وثقافة تنظيمية جديدة وآليات مساءلة داخلية فعالة.

جوهر المشكلة: الفكرة أم التنفيذ؟

تكمن قوة الطرح في وضوح تشخيصه: تداخل السلطة مع الفضاء الثقافي والإعلامي والمجتمعي.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا، لا ينتهي عنده.

الأسئلة الأكثر إلحاحاً تبقى مفتوحة: كيف تُضمن الاستقلالية فعلياً؟ من يعيّن القيادات؟ ما الإطار القانوني الناظم؟ وكيف تُحمى التعددية من الاحتواء؟.

من دون إجابات واضحة، قد يبقى أي إصلاح في حدود النوايا، دون أن يتحول إلى سياسة قابلة للحياة.

إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع:

في جوهره، لا يتحدث هذا الطرح عن إلغاء وزارتين، بل عن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

التحول الحقيقي هنا هو انتقال الدولة: من “مدير مباشر”

إلى “منظّم وضامن”، وهو انتقال، إن تحقق، قد يفتح المجال أمام حيوية ثقافية أوسع، إعلام أكثر تنوعاً، ومجتمع مدني أكثر استقلالاً.

هل يتغير المضمون بتغيير الشكل؟

يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يكفي تغيير البنية المؤسساتية لتغيير طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع؟

تجارب عديدة تشير إلى أن الإصلاح لا يبدأ من شكل المؤسسة، بل من قواعد عملها، وآليات مساءلتها، والثقافة السياسية التي تحكمها.

وبين الدعوة إلى إلغاء الوزارات، والسعي إلى تحرير الفضاء العام، يبقى التحدي الأعمق قائماً: هل يمكن بناء مؤسسات ثقافية وإعلامية مستقلة فعلاً… أم أن التغيير المطلوب أعمق من إعادة تنظيم إداري، ويمس بنية الدولة نفسها؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني