الذباب الإلكتروني وقاتل الصيدلاني إبراهيم تركاوي والضحكة السّادية

0 12

عندما نشاهد السخرية في المسلسلات تكون في غالب الأحيان سخرية الغني من الفقير، أو سخرية القوي من الضعيف، أما في مواقع التواصل الاجتماعي فقد صدمتنا نحن السوريين سخرية الضحية من الضحية.

حيث قام ما يعرف بالذباب الإلكتروني ومن لف لفيفه، بإخراج اللغة السوقية التي كان يستخدمها «أبو حيدر جوية» و«أبو جعفر أمن عسكري»، من أقبية الأفرع الأمنية واستخدامها بشكل واسع وعلني في مواقع التواصل الاجتماعي ساخرين متنمرين على جميع من ينتقد الحكومة الانتقالية، وقد طالت السخرية فنانين مثل جمال سليمان، ورجال دين ودعاة مثل محمد حبش، ورموز الثورة مثل المشتغلين على ملف قيصر وعلي فرزات وأصحاب الرأي العلمي والتحليلي من الشخصيات التي نوجه لها التحية والتقدير.

ما نشهدهُ من لغة سوقية وتخوين وتهديد وشيطنة للآخر، لم يكن مجرد شتم وتنمر من قبل أناس يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة جراء الإجرام الأسدي طويل الأمد، بل هو باعتقادي ووفق ما يرى كثيرون، استراتيجية ممنهجة للاغتيال المعنوي ومحاولة احتكار دور الضحية وقمع الآخر وتكريس مواطنة من درجات متباينة.

ويرى بعضهم أن هذا يهدف إلى تحويل النظام الجديد إلى نظام أقلوي، من خلال العبث بصورة حاضنته وتعويم جزء رديء منها لا يمثله.

التفاعل بـ “أضحكني” على صور مجازر، حتى تلك التي يظهر فيها أطفال أو عائلات بأكملها قد تم قتلها تحت بند التطهير الطائفي، جعل كثيراً من السوريين يدركون أن هناك أطراف خارجية لا تريد الاستقرار لسوريا تقف خلف ممارسات ذلك الذباب الإلكتروني ومن في ركابه، وأنهم ليسوا مؤيدين ساديين يُحسبون على النظام الجديد، ويستخدمون المظلومية كغطاء لممارسة اضطراباتهم النفسية وميولهم السادية فحسب، بل المبادرون منهم وصناع الترندات والحملات المضادة للترندات “التي تُخالف الحكومة الانتقالية”، مدفوعين من الخارج لتكريس الشرخ والفتنة.

مع الأسف في المقابل وقع قلّة من أطياف النسيج السوري كافة في فخ الكراهية هذا، وصاروا يتفاعلون بالضحك «أضحكني/الوجوه الكرتونية الصغيرة الضاحكة» على أي مشاهد لقتلى حتى لو بحادث سير!

إن السخرية ليست أمراً هيناً كما قد يظن بعضهم، فقد قال أحد المفكرين الغربيين أن كل إنسان مهما ارتفع شأنه يبقى يخشى من تعرضه لسخرية الناس.

كما أن السادية ليست نقيض التعايش بل هي النقيض المطلق للإنسانية بكل أبعاد هذه الكلمة ومع هذا لم تُدِن السلطةُ الانتقالية ومؤثروها على النحو المأمول ظاهرة الذباب الإلكتروني الخطيرة التي تحسب نفسها على جمهور مؤيديها، كما لم تقم السلطة بتفنيد تلك الظاهرة وتفكيكها ومكافحتها وبقي تعاطيها معها تعاطياً هامشياً!

ثم جاءت جريمة مقتل الصيدلاني إبراهيم تركاوي لتوجه صفعة إلى المراهنين على ضرب البعد الإنساني للسوريين، حيث شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجه استنكار هائلة للضحكة والتعاطي البارد للمجرم مع جريمته، ليعبر كثير من أبناء شعبنا عن مدى إنسانيته وبالمقابل عن مدى فشل أبرز وأخطر وسائل تفاعل الذباب الإلكتروني «الضحك» في تغيير النفوس.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني