
التطبيع الثقافي بين تهديد الهوية ومقاومة الكلمة: قراءة في شعر نزار قباني
ترتبط الثقافة بالضمير الجمعيّ للشعوب؛ “فمن الثقافة تتكون مواقف الناس ورؤيتهم للعلاقات، ومواقفهم إزاء القضايا المشتركة، ومن هنا تلجأ الدول إلى نشر ثقافتها، والتأثير في ثقافات الدول والشعوب الأخرى قصدًا؛ من أجل استمالة الشعوب المستهدفة في التطبيع”([1])، وهذا الاختراق هو ما كان يخشاه (نزار قباني) عندما قال في قصيدة (المُمَثِّلونَ):
وَصَوتُ فَيْرُوزَ،
مِنَ الفِرْدَوسِ يَأْتِي،
“نَحْنُ رَاجِعُونْ”..
تَغَلْغَلَ اليَهُودُ فِي ثِيَابِنَا
و” نَحْنُ رَاجِعُونْ”..
صَارُوا عَلَى مِتْرَينِ مِنْ أَبْوَابِنَا
و”نَحْنُ رَاجِعُونْ”..
نَامُوا عَلَى فِرَاشِنَا
و” نَحْنُ رَاجِعُونْ”..
وَكُلُّ مَا نَمْلِكُ أَنْ نَقُولَهُ
“إِنَّا إَلَى اللهِ لَرَاجِعُونْ”..([2])
حيثُ يَتَمَنَّى الشاعرُ رُجُوعَ الهُوِيَّة العَرَبِيَّة، وما الرجوع «سِوَى كَلِمَةٍ تَتَرَدَّد عَبْرَ أُغْنِيَةٍ مستحيلة التحقُّق في الواقع الفعلي، وإنما هي محضُ غايةٍ بعيدة المنال،وكأنها آتيةٌ من الفردوس، أما الواقع الفعلي فهو ينطق بخلاف ما يقتضيه هذا الخبر المبثوث عبر الأغنية؛ فالواقع يتداعى بشكل تصاعدي في هبوطه الشديد، يتصاعد الحدث دلاليًّا؛ حتى يصل إلى نوم اليهود على فِراشِنا، ونحن نُرَدِّدُ أو نُصغي إلى هذه العبارة الغنائية: (نحنُ راجعونْ) التي تتشح بالحداد بتضفيرها مع واقع الصراع العربيّ الإسرائيليّ»([3]).
لقد سعت إسرائيل – من خلال هذا التطبيع – لإخضاع الدول العربية «أمام سياسات الاحتلال، والتحالُف العربي مع الكيان الإسرائيلي في مواجهة أي خطرٍ يُهدِّده، وتجاهُل كل الجرائم المُرْتَكَبَة بِحَقِّ العربِ والفلسطينيينَ، ولا يقتصرُ ذلك على الحكومات، بل يتعدّاها إلى الشعوب العربية، من خلال فتح قنوات التواصل مع المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية المختلفة»([4]).
ومن المعروف أن التطبيع الثقافي يستهدف المناهج المدرسيّة، التي تخُصَّ الأجيال المعاصرة واللاحقة؛ ليُرَسِّخَ في العقول الناشئة أفكارًا تُهَمِّش القضيّة الفلسطينية؛ فالتطبيع ليس توسُّعًا ثقافيًّا فحسب، إنما هو اختراقٌ فكريٌّ.
وقد حذَّر الشعراءُ من التطبيع، وقاوموه بسلاح كلمتهم، وتنكّروا له بأساليبهم المختلفة، ويُعَدُّ نزار قباني من أبرز الشعراء الذين نظموا في رفض التطبيع؛ فقد استهجن اقتحام التطبيع الثقافي تراثنا العربي، كما نرى في قصيدة (المتنبي وأم كلثوم على قائمة التطبيع)، يقول:
وَصَلَ قِطَارُ التَّطْبِيعِ الثَّقَافِي
إِلَى مَقَاهِينَا…
وَصَالُونَاتِنَا…
وَغُرَفِ نَومِنَا المُكَيَّفَةِ الهَوَاءِ…
وَنَزَلَ مِنْهُ أشْخَاصٌ غَامِضُونَ
يَحْمِلُونَ مَعَهُمْ مَعَاجِمَ… ودَوَاوِينَ شِعْر
ومَصَاحِفَ مَكْتُوبَةً بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّة…
ويَحْمِلُونَ مَعَهُمْ جَرَائِدَ تَقُولُ:
إنَّ شَاعِرَ العَرَبِ الأكْبَر..
أبَا الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي
صَارَ وَزِيرًا لِلثَّقَافَةِ فِي حُكُومَةِ حِزْبِ العَمَل!!
وأنَّ مُطْرِبَةَ العَرَبِ الأولَى
السَّيِّدَةَ أُمِّ كُلْثُوم
سَوفَ تُغَنِّي قَصِيدَةً جَدِيدَةً لِشَاعِرٍ إسْرَائيلِي([5])
ويسعى التطبيع لنزع عروبتنا التي هي آخر ما بَقِيَ لنا:
هَذَا زَمَنُ التَّطْبِيعِ… يَا سَيِّدَتِي
يَهْجُمُ عَلَيْنَا بِكُلِّ سَمَاسِرَتِهِ… وشِيكَاتِه…
ومَافيَاتِه…
لِيُجَرِّدَنَا مِنْ آخِرِ وَرَقَةِ تُوتٍ… تَسْتَقِرُّ بِهَا
أَجْسَادُنَا…([6])
إنّ الرُّضوخ للتطبيع يعني انتهاء التاريخ العربي، وإعلان وفاته، ولن يُجْدِي الندمُ نفعًا:
تَطْبِيعٌ فِي الصَّبَاحِ وتَطْبِيعٌ فِي المَسَاء
وَتَطْبِيعٌ فِي الشَّارِعِ
وَتَطْبِيعٌ فِي المَقْهَى
حَتَّى صِرْنَا (طَبْعَةً ثَانِيَةً)
صَادِرَةً بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ..
مِنْ كِتَابِ الأغَانِي!!..([7])
ثُمَّ ذكر بعض مظاهر التطبيع التي استفزت مشاعره:
إِنَّ العَالَمَ كُلَّهُ يَدُورُ مِنْ حَوْلِي
والصَّفَقَاتُ المَالِيَّةُ تُعْقَدُ مِنْ وَرَائِي
وَالمُقَاوِلُونَ يملؤون فَنَادِقَ المِنْطَقَةِ…
وَالبَيعُ وَالشِّرَاءُ فِي أَوجِهِ
وَالدُّولارَاتُ تَتَنَاثَرُ…
وَالضَّمَائِرُ تَتَنَاثَرُ…
وَالسَّمَاسِرَةُ يُعِدُّونَ الوَثَائِقَ الرَّسْمِيَّةَ…
لِبَيْعِ التَّارِيخِ…([8])
وبدأ في سلسة من الأسئلة الإنكارية، التي تعكس مدى إحباطه وشعوره الدفين بالحزن؛ بسبب هذا التوغُّل الثقافي؛ فإذا كان التطبيع هو إرجاع العلاقات لأصولها؛ فلماذا لا يعود العرب لأصولهم ولغتهم وتاريخهم وحضارتهم؛ لماذا يتمسّكون بالعناصر الدخيلة الصهيونية التي ستهدم مجدهم وتاريخهم، إنها خيانة وبيع للوطن وللتاريخ العربي، يقول:
فَأَنَا لا أَفْهَمُ…
لِمَاذَا لا يُطَبِّعُ العَرَبُ مَعَ العَرَبِ… أَوَّلاً؟
وَلِمَاذَا يَتَقَاتَلُ التَّارِيخُ مَعَ التَّارِيخِ؟
وَالقَبِيلَةُ مَعَ القَبِيلَةِ؟
وَاللُّغَةُ مَعَ اللُّغَةِ؟..
أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ…
لِمَاذَا فِي بِلادِنَا، تَتَقَاتَلُ الأَفْعَالُ مَعَ الأَسْمَاءِ…
وَالأَلِفُ مَعَ البَاءِ…([9])
أشار نزار قباني في هذه القصيدة إلى رموزٍ أدبيةٍ وفنيَّةٍ عربيَّة ذات قيمةٍ كُبرى، مثل المتنبي وأم كلثوم؛ في محاولة لإثارة الغَيرة على الثقافة العربية، وأكَّد أنَّ التطبيع مع إسرائيل يُمثِّل خطرًا على تلك الرُّموز وعلى غيرها من قِيَمِ المُجتمعات العربيَّة، ويسعى لإخضاع العقول الناشئة فكريًّا، بما يجعلها خالية من الانتماء الديني والأخلاقي والوطني والثقافي؛ وذلك لئلا تجد إسرائيل في توسُّعاتها المُستقبليَّة أيَّ نوعٍ من المقاومة؛ فتستمر في التوغُّل والاحتلال دون ردعٍ، ومن ثَمَّ تُسيطر على العالَم بأكمله.
([1]) علي جبلي: التطبيع الخليجي، ص 12.
([2]) نزار قباني: الأعمال السياسية الكاملة، 3/113.
([3]) عيد بلبع، محمد أبو علي: الحرية بين زيف المرأة وحقيقة الوطن؛ قراءة في شعر نزار قباني، مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر، الإسكندرية، ط 1، 2020م، ص 49.
([4]) علي جبلي: التطبيع الخليجي، ص 20.
([5]) نزار قباني: قصائد سياسية بلا ديوان، منشورات نزار قباني، بيروت، لبنان، 1981م، ص 516-517.
([6]) نزار قباني: قصائد سياسية بلا ديوان، ص 517-518.