
إصلاح المنظومة التشريعية في سوريا.. مدخل أساسي لبناء الدولة الديمقراطية
إن بناء سوريا دولة ديمقراطية لا يمكن أن يتحقق بمجرد تغيير السلطة السياسية أو استبدال المسؤولين، بل يتطلب تحولاً عميقاً في بنية الدولة ومؤسساتها ومنظومتها القانونية والتشريعية، بما يضمن الانتقال من دولة الاستبداد إلى دولة القانون والمواطنة المتساوية.
فالدولة الديمقراطية ليست مجرد شعارات سياسية أو مؤسسات تحمل أسماء جديدة، وإنما هي منظومة متكاملة من القوانين والمؤسسات والضمانات الدستورية التي تحمي حقوق المواطنين، وتصون حرياتهم وتمنع احتكار السلطة وإعادة إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة.
لقد عمل النظام الأسدي البائد طوال عقود على بناء منظومة قانونية وتشريعية مَكّنته من السيطرة على المجتمع، وتقييد الحريات العامة، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وإضعاف استقلال القضاء، وتحويل القانون في كثير من الحالات من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لحماية السلطة ومصالحها، كما أسهمت بعض التشريعات في شرعنة انتهاكات الحقوق، ومصادرة الممتلكات، وتقييد النشاط السياسي والمدني، وإقصاء فئات واسعة من المجتمع السوري، ولذلك فإن استمرار العمل بالقوانين التي تتعارض مع مبادئ الحرية والعدالة والمساواة يشكل عقبة أمام بناء الدولة الجديدة، ويثير تساؤلات جدية حول طبيعة التحول السياسي المنشود ومدى قدرته على معالجة إرث الاستبداد.
من هنا فإن المرحلة الانتقالية في سوريا تستدعي مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية، لا تقوم على قرارات ارتجالية أو إجراءات جزئية، بل على رؤية وطنية واضحة تحدد القوانين التي ينبغي إلغاؤها، والنصوص التي تحتاج إلى تعديل، والتشريعات الجديدة التي يتطلبها بناء دولة ديمقراطية تعددية، ولا يجوز أن تقتصر هذه المراجعة على القوانين المرتبطة بالأمن والسياسة، بل يجب أن تشمل مختلف المجالات التي تمس حياة المواطنين، بما فيها القضاء والإدارة والاقتصاد والملكية والإعلام والأحزاب والجمعيات والانتخابات والحقوق المدنية والاجتماعية، مع مراعاة الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
في هذا السياق تبرز أهمية تشكيل لجنة تشريعية وطنية موسعة مستقلة، تضم قضاة ومحامين وخبراء في القانون الدستوري والتشريع، إلى جانب ممثلين عن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ومختلف المكونات القومية والثقافية في البلاد. وتتمثل مهمتها في إجراء مراجعة قانونية شاملة للتشريعات النافذة، وتحديد مدى انسجامها مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، واقتراح إلغاء القوانين القمعية أو تعديلها، وإعداد تشريعات بديلة تضمن العدالة والمساواة وتحمي المجتمع من عودة الاستبداد، وينبغي أن تعمل هذه اللجنة وفق معايير معلنة وجدول زمني واضح، وأن تتيح المجال للنقاش العام والمشاركة المجتمعية، حتى لا تتحول عملية الإصلاح التشريعي إلى شأن مغلق تحتكره السلطة التنفيذية أو جهة سياسية بعينها.
غير أن مراجعة القوانين على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء دولة ديمقراطية ما لم تترافق مع إصلاح مؤسسات الدولة وضمان استقلال القضاء والفصل بين السلطات، وإخضاع الأجهزة الأمنية والعسكرية للقانون والرقابة المؤسسية. فالقوانين العادلة تفقد قيمتها عندما تغيب المؤسسات القادرة على تطبيقها، كما أن النصوص الدستورية تصبح بلا مضمون إذا لم تتوفر إرادة سياسية تحترمها وتلتزم بها، ومن الضروري أيضاً أن تتكامل عملية الإصلاح التشريعي مع مسار العدالة الانتقالية، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق محاكمات عادلة، وجبر الضرر وإنصاف الضحايا، بما يساهم في استعادة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
ومن منظور القضية الكردية في سوريا، فإن إصلاح المنظومة القانونية لا يمكن أن يكون شاملاً ما لم يعالج أيضاً آثار السياسات والتشريعات التمييزية التي استهدفت الوجود القومي والحقوق الوطنية للشعب الكردي. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإلغاء بعض الإجراءات الإدارية أو منح حقوق محدودة بقرارات قابلة للتغيير، بل الانتقال إلى معالجة دستورية واضحة تضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية واللغوية للكرد، في إطار دولة ديمقراطية تعددية تعترف بالتنوع السوري وتحميه.
إن معالجة القضية الكردية بوصفها قضية حقوق دستورية أصيلة تشكل جزءاً من بناء الدولة الوطنية، وليست مسألة محاصصة حزبية أو تنازلات مؤقتة تفرضها موازين القوى.
كما أن بناء الدولة الديمقراطية يتطلب تجاوز منطق الغلبة والإقصاء في إدارة المرحلة الانتقالية، وإشراك القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في صياغة مستقبل البلاد. فلا يمكن تأسيس عقد وطني مستقر من خلال استمرار القوانين القديمة أو استبدالها بتشريعات جديدة تُصاغ بصورة أحادية، ولا يمكن تحقيق الاستقرار من دون ضمانات قانونية متساوية لجميع السوريين، بصرف النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والسياسية.
إن سوريا تقف أمام استحقاق تاريخي يتجاوز تغيير السلطة إلى إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة، ومن هنا فإن مراجعة التشريعات الموروثة وإصلاح المنظومة القانونية يجب أن يكونا في صلب المشروع الوطني الديمقراطي، لا ملفاً ثانوياً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. فالدولة التي تريد القطع مع الاستبداد مطالبة بأن تثبت ذلك في قوانينها ومؤسساتها وممارساتها، وأن تجعل العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون أساساً للعلاقة بين السلطة والمجتمع، عندها فقط يصبح الانتقال السياسي خطوة فعلية نحو دولة ديمقراطية تعددية قادرة على استعادة ثقة مواطنيها وبناء مستقبل مشترك لجميع السوريين.