ملف المفقودين في سوريا: بين حماية الأدلة وحق العائلات في معرفة الحقيقة

0 10

استقبلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في مكتبها بدمشق، كارلا كينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، في لقاء تناول تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات للكشف عن مصير المفقودين وأماكن وجودهم، في أحد أكثر الملفات الإنسانية والحقوقية تعقيداً في سوريا الجديدة.

وبحسب بيان الشبكة الصادر في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بحث اللقاء التحديات التي تواجه عمليات البحث، وأهمية تطوير العمل الميداني وجمع المعلومات وتحليلها، وحماية السجلات والوثائق ومواقع الدفن، إلى جانب تعزيز التكامل بين الجهات الوطنية والدولية المعنية.[1]

ويأتي اللقاء في وقت لا تزال فيه عائلات سورية كثيرة تنتظر معرفة مصير أبنائها وأقاربها، وسط حاجة إلى آليات مؤسسية قادرة على التعامل مع حجم الملف، وتوفير إجابات موثوقة، وضمان حقوق العائلات خلال مختلف مراحل البحث.

مؤسسة أممية بولاية تشمل جميع المفقودين:

تأسست المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر في 29 حزيران/يونيو 2023، بموجب القرار 77/301، بهدف توضيح مصير جميع المفقودين في سوريا وأماكن وجودهم، وتقديم الدعم المناسب للضحايا والناجين وعائلات المفقودين.[2]

ولا تقتصر ولاية المؤسسة على حالات الاختفاء القسري، بل تشمل جميع المفقودين، بصرف النظر عن جنسيتهم أو انتمائهم السياسي أو أسباب فقدانهم أو توقيته، سواء ارتبطت حالاتهم بأفعال أشخاص آخرين أم لم ترتبط بها، وبصرف النظر عن صلتها بالنزاع المسلح.[2]

وتترأس المؤسسة كارلا كينتانا، التي عيّنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024، وتسلّمت مهامها رسمياً في 12 كانون الثاني/يناير 2025.[3]

وتتمتع كينتانا بخبرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والقانون الدستوري، وسبق أن شغلت منصب المفوضة الوطنية للبحث عن المفقودين في المكسيك، حيث قادت جهوداً للتعامل مع أكثر من مئة ألف حالة اختفاء، وأكثر من سبعين ألف جثة مجهولة الهوية، وفق السيرة الرسمية المنشورة عنها لدى الأمم المتحدة.[3]

وتقوم ولاية المؤسسة على الطابع الإنساني والسعي إلى كشف الحقيقة، مع العمل بالتعاون والتكامل مع الجهات المعنية، بما فيها السلطات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني وعائلات المفقودين، دون أن تحل محل الجهات الوطنية أو تلغي مسؤولياتها.[2][4]

حماية الأدلة ومواقع الدفن شرط أساسي للبحث:

من أبرز المحاور التي تناولها اللقاء أهمية جمع المعلومات وتحليلها، وحماية السجلات والوثائق ومواقع الدفن. ولا تمثل هذه الإجراءات مسائل فنية منفصلة عن جوهر القضية، بل تشكل أساساً ضرورياً لأي عملية بحث موثوقة عن المفقودين.[1]

فالسجلات الرسمية، والبيانات المتاحة لدى المؤسسات، والشهادات، والوثائق المرتبطة بالاحتجاز والتنقل والدفن، قد تشكل مجتمعةً خيوطاً تساعد على إعادة بناء مسارات الاختفاء وتحديد مصير الأشخاص.

وفي بيان صادر في 21 كانون الثاني/يناير 2025، شددت كارلا كينتانا على ضرورة حماية السجلات والمعلومات والبيانات والمواقع ذات الأهمية، بما فيها أماكن الدفن، محذرة من أن الإجراءات غير المنسقة، حتى إن كانت حسنة النية، قد تلحق الضرر بموارد أساسية يحتاج إليها البحث عن المفقودين. كما أكدت أهمية التنسيق السريع لوضع خطة للبحث واستراتيجية للطب الشرعي.[4]

ويبرز هنا دور الخبرات المتخصصة في الطب الشرعي وتحليل البيانات وتحديد الهوية، إلى جانب وضع قواعد واضحة لحفظ الوثائق والأدلة وتبادلها، بما يمنع ضياعها أو العبث بها أو تعريضها للاستخدام غير الملائم.

العائلات في قلب عملية البحث:

أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أهمية وضع حقوق العائلات واحتياجاتها في صميم جهود البحث، وضمان مشاركتها الفاعلة، وحماية بياناتها، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات وفق ضوابط تراعي السرية ومبدأ عدم الإضرار.[1]

وتتجاوز أهمية مشاركة العائلات دورها في تقديم المعلومات؛ فهي صاحبة الحق في معرفة مصير أقاربها، وشريك أساسي في تحديد احتياجات عملية البحث وتوجيهها. كما أن استمرار غياب الإجابات يترك آثاراً نفسية واجتماعية وقانونية ممتدة، لا تنتهي بمجرد مرور السنوات أو تغير الظروف السياسية.

وفي بيانها الصادر في كانون الثاني/يناير 2025، أكدت كينتانا أن العائلات شريكة أساسية في عمل المؤسسة، وأنها تمثل مصدراً رئيسياً للمعلومات والمعرفة اللازمة لكشف مصير المفقودين. كما شددت على أهمية التنسيق مع العائلات والمجتمع المدني، وحماية المعلومات التي يمكن أن تساعد في معرفة الحقيقة.[4]

ويقتضي ذلك توفير قنوات تواصل آمنة ومنتظمة مع العائلات داخل سوريا وخارجها، وإطلاعها على المعلومات المتاحة بوضوح ومسؤولية، وتجنب تقديم وعود لا تستند إلى معلومات موثوقة أو نتائج قابلة للتحقق.

فنجاح عملية البحث لا يُقاس فقط بما تحققه من نتائج فنية، بل أيضاً بمدى احترامها لحقوق العائلات وكرامتها، وحمايتها من الاستغلال أو تعريض بياناتها ومعلوماتها الشخصية للخطر.

أكثر من 177 ألف مختفٍ قسرياً وفق بيانات الشبكة:

تشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، لا يزالون في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار/مارس 2011.[1]

ويعكس هذا الرقم، وفق توثيق الشبكة، اتساع حجم القضية واستمرار الحاجة إلى دعم دولي على المستويات اللوجستية والمادية والعملياتية، بما يتيح تطوير قدرات البحث والتوثيق وتحليل المعلومات.

ومن الضروري التمييز بين هذا الإحصاء الخاص بالمختفين قسرياً وبين الولاية الأوسع للمؤسسة المستقلة، التي تشمل جميع المفقودين في سوريا مهما كانت أسباب فقدانهم. فهذا التمييز يساعد على فهم تعدد حالات الفقد واختلاف مسارات البحث، ويمنع اختزال القضية في فئة واحدة.[2]

من التنسيق إلى نتائج تنتظرها العائلات:

لا تكمن أهمية اللقاء بين الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمؤسسة المستقلة في تبادل المعلومات والخبرات فحسب، بل في إمكانية تحويل هذا التنسيق إلى خطوات عملية تسهم في تحسين عمليات البحث، وحماية الأدلة، وتطوير آليات الوصول إلى المعلومات، وتعزيز مشاركة العائلات.

ويتطلب الوصول إلى نتائج ملموسة تعاوناً بين المؤسسات الوطنية والدولية، وإتاحة السجلات والوثائق ذات الصلة، وحماية مواقع الدفن، وتوفير الموارد والخبرات المتخصصة، فضلاً عن وجود آليات واضحة للمساءلة والمتابعة.

فملف المفقودين ليس قضية إنسانية يمكن تأجيلها إلى حين استقرار الأوضاع، بل أحد الاختبارات الأساسية لقدرة سوريا على بناء مؤسسات تحترم حقوق الإنسان، وتتعامل مع إرث الانتهاكات بمسؤولية، وتضع حق العائلات في معرفة الحقيقة ضمن أولوياتها.

ويبقى السؤال:

هل تتحول جهود التنسيق وتبادل الخبرات إلى منظومة وطنية متكاملة تكشف مصير المفقودين وتمنح عائلاتهم إجابات موثوقة، أم تستمر سنوات الانتظار في ظل غياب المعلومات وتشتت المسؤوليات؟

المصادر والمراجع:

[1] الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان تستقبل رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا»، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.

https://2u.pw/kyi3Vp

[2] مكتب الأمم المتحدة في جنيف.

«المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية»؛ تعريف المؤسسة وولايتها، استناداً إلى قرار الجمعية العامة 77/301، 29 حزيران/يونيو 2023.

https://www.ungeneva.org/ar/about/organizations/iimp

[3] الأمين العام للأمم المتحدة.

«تعيين كارلا كينتانا من المكسيك رئيسةً للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية»، 19 كانون الأول/ديسمبر 2024.

https://2u.pw/nEbKUW

[4] المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية.

«بيان كارلا كينتانا، الأمينة العامة المساعدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين»، 21 كانون الثاني/يناير 2025.

https://2u.pw/qb0n0B

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني