
إصلاح مؤسسات الدولة وسيادة القانون في صلب لقاء حقوقي أممي بدمشق
بحثت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مع الممثلة المقيمة الجديدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، ميلاني هاونشتاين، قضايا سيادة القانون والإصلاح المؤسسي وحماية حقوق الإنسان خلال لقاء عُقد في مقر الشبكة بدمشق، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
ويأتي اللقاء في مرحلة تواجه فيها سوريا تحديات متشابكة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الثقة بين المجتمع والمؤسسات العامة، ووضع أسس قانونية وإدارية تضمن عدم تكرار الانتهاكات، وتحويل مبادئ العدالة والمساءلة إلى ممارسات مؤسسية مستدامة.
وبحسب ما أعلنته الشبكة، تناول النقاش أولويات الإصلاح المؤسسي خلال المرحلة الانتقالية، ودور الأطر القانونية وبناء القدرات والحوكمة والشفافية والمساءلة في تعزيز حماية حقوق الإنسان، إلى جانب أهمية إشراك المجتمع المدني والفئات المتأثرة في صياغة السياسات العامة.
خبرة أممية في التنمية وإدارة الأزمات:
تكتسب زيارة هاونشتاين أهمية إضافية بالنظر إلى مسيرتها المهنية التي تمتد لأكثر من عشرين عاماً في منظومة الأمم المتحدة، في مجالات التنمية والسلام والعمل الإنساني.
وتولت هاونشتاين منصب الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان بين عامي 2022 و2024، وعملت قبل ذلك مستشارة إقليمية في المقر الرئيسي للبرنامج بنيويورك، مسؤولة عن ملفات اليمن والسودان والصومال وجيبوتي وليبيا ودول المغرب العربي. كما شغلت مواقع قيادية في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي، وعملت في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المعني بالوقاية من الأزمات والتعافي منها.
وقبل انتقالها إلى سوريا، أدارت مكتب تمثيل البرنامج في ألمانيا، وتتولى منذ تموز/يوليو 2026 منصب الممثلة المقيمة للبرنامج في سوريا.
وتعكس هذه الخبرة تقاطعاً بين ملفات التنمية وإدارة الأزمات وبناء المؤسسات، وهي مجالات ترتبط مباشرة بالتحديات التي تواجه سوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة، وإن كان تحويل هذه الخبرات إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطاً بطبيعة الأولويات والبرامج وآليات التنفيذ.
إصلاح مؤسسي يتجاوز الحلول قصيرة الأجل:
وفق بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ركز اللقاء على أن إصلاح المؤسسات لا يمكن أن يقتصر على تدخلات مؤقتة أو إجراءات إدارية محدودة، بل يتطلب مساراً طويل الأمد يقوم على تطوير الأطر القانونية، وتعزيز قدرات المؤسسات، وتحسين الحوكمة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
وتبرز أهمية هذا الطرح في السياق السوري، حيث لا يقتصر التحدي على إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وإنما يمتد إلى إعادة تحديد دورها وعلاقتها بالمواطن، وضمان خضوعها للقانون، وامتلاكها القدرة على حماية الحقوق وتقديم الخدمات دون تمييز أو تعسف.
فإعادة بناء المؤسسات لا تُقاس بعدد الإدارات التي تستأنف عملها أو القوانين التي تصدر، بل بمدى قدرتها على تطبيق القانون بصورة مستقلة ومنصفة، والاستجابة لاحتياجات المواطنين، وإتاحة سبل الانتصاف عند وقوع الانتهاكات.
حقوق الضحايا أساس تصميم السياسات:
من القضايا التي تناولها الاجتماع أهمية الاعتماد على البيانات الموثوقة، وفهم احتياجات الضحايا والمجتمعات المتضررة عند تصميم السياسات والبرامج.
ويمثل هذا الجانب عنصراً أساسياً في أي عملية إصلاح جادة؛ إذ إن السياسات التي لا تستند إلى توثيق دقيق للانتهاكات وآثارها، ولا تستمع إلى المتضررين، قد تعيد إنتاج أوجه الخلل نفسها التي ساهمت في إضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
ولا يقتصر دور البيانات هنا على تقديم صورة عن حجم الأضرار، بل يمتد إلى تحديد الأولويات، وتوجيه الموارد، وقياس مدى استفادة الفئات المتضررة من البرامج، وتقييم أثر السياسات على حياتها وحقوقها.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مشاركة منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية أهمية خاصة، لما تمتلكه من خبرة في التوثيق والتواصل مع الضحايا ورصد الاحتياجات على الأرض.
استقلال القضاء والوصول إلى العدالة:
تناول النقاش كذلك أهمية استقلال القضاء وضمان الوصول إلى العدالة، إلى جانب توسيع مشاركة المجتمع المدني والنساء والشباب في مسارات الإصلاح وصنع القرار.
ويُعد استقلال القضاء من الشروط الأساسية لبناء دولة القانون، لأنه يضمن ألا تتحول المؤسسات القضائية إلى أدوات للسلطة أو النفوذ، ويتيح للمواطنين اللجوء إلى قضاء قادر على النظر في الشكاوى والفصل فيها وفق القانون.
وفي الحالة السورية، تتجاوز أهمية هذا الملف تنظيم المؤسسات القضائية وإعادة تأهيلها، لتشمل ضمان حق الضحايا في الإنصاف، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
كما أن إشراك النساء والشباب والمجتمع المدني في صياغة السياسات لا ينبغي أن يظل حضوراً شكلياً، بل يتطلب توفير قنوات حقيقية للمشاركة والتأثير في القرارات التي تحدد مستقبل المؤسسات العامة.
من التنسيق إلى مؤشرات قابلة للقياس:
أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن بناء المؤسسات يحتاج إلى عمل تراكمي ومستدام، يتجاوز التدخلات قصيرة الأجل، ويستند إلى أولويات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، مشيرة إلى استمرار تبادل الرؤى والتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية عملية؛ فالإعلان عن أهداف الإصلاح لا يكفي وحده للحكم على مساره، ما لم تقترن هذه الأهداف بمؤشرات تسمح بتقييم التقدم، وتحديد المسؤوليات، ورصد أثر السياسات على حياة المواطنين.
ويعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المحافظات السورية الأربع عشرة، وفق تعريفه الرسمي، في مجالات تشمل النمو الاقتصادي الشامل وسبل العيش والخدمات الأساسية والحوكمة وسيادة القانون وبناء السلام والعمل المناخي، إضافة إلى دعم الظروف اللازمة لعودة آمنة وطوعية وكريمة.
لكن اتساع مجالات العمل لا يلغي ضرورة تحديد الأولويات السورية، وضمان أن تستجيب البرامج لاحتياجات المواطنين، وأن تسهم في بناء مؤسسات عامة خاضعة للمساءلة وتحترم الحقوق.
اختبار بناء الدولة في المرحلة الانتقالية:
يضع اللقاء قضايا الإصلاح المؤسسي وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان ضمن مساحة النقاش بين مؤسسة حقوقية سورية وبرنامج أممي معني بالتنمية وبناء القدرات المؤسسية. غير أن أهمية هذه القضايا ستتحدد بما يمكن أن يتحقق منها على أرض الواقع، لا بمجرد حضورها في الاجتماعات والبيانات.
فالتحدي أمام سوريا لا يتمثل في إعادة بناء مؤسساتها فحسب، بل في ضمان ألا تعود هذه المؤسسات إلى إنتاج أنماط الاستبداد والإفلات من العقاب، وأن تصبح أدوات لحماية المواطنين وصون كرامتهم وتحقيق العدالة.
ويبقى السؤال:
هل تنجح مسارات التعاون والخبرات الأممية في دعم إصلاح مؤسسي يضمن استقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين وحماية حقوق السوريين، أم تبقى هذه المبادئ أهدافاً معلنة يصعب قياس أثرها في حياة الناس؟
المصادر:
– الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بيان بشأن اللقاء مع الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
– برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التعريف الرسمي بميلاني هاونشتاين، الممثلة المقيمة في سوريا.
https://www.undp.org/syria/our-leadership?utm_source=chatgpt.com
– [برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – سوريا: الترحيب بميلاني هاونشتاين ممثلةً مقيمة جديدة في سوريا]