بين دماء الضحايا وسيادة الدول.. قراءة في الاعتداء الأردني على سوريا

0 1٬407

كان هناك توافق بين القوتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا) على تقسيم وتقاسم إرث الدولة العثمانية في المشرق العربي، وظهرت مجموعة الدول المعروفة حالياً، وكان الإنكليز المكلفون بإنشاء دولة لليهود غرب نهر الأردن، تكون حدودها الشمالية مُقسّمة بين سوريا ولبنان، وشرقها سيتم اصطناع دولة سايكس-بيكوية خاصة يحكمها أحد أبناء الشريف حسين، الذي تم خداعه في الحرب، ودعم خصومه السعوديين للسيطرة على الحجاز والإطاحة بالحكم الهاشمي فيها. وبالتالي، ستكون الصحراء شرق الأردن منطقة عازلة تُؤمّن الحدود الشرقية للدولة اليهودية، وعازلاً بشرياً وجغرافياً بين بلاد الشام والجزيرة العربية يمنع تواصلهما الجيوسياسي، حيث ستكون الأقلية الحاكمة ليست من أهل البلاد، وخاضعة في وجودها وبقائها للانتداب البريطاني، وهو ما حدث فعلاً عندما كان الجيش الأردني بقيادة ضابط إنكليزي هو الجنرال غلوب باشا، وذلك إلى ما بعد إنشاء دولة إسرائيل. ولا تملك الأردن المقومات الأساسية لنشوء الدول، سواء كانت مادية أو بشرية هوياتية، وبقيت تعيش على المساعدات الخارجية التي يرتهن مستقبل بقائها باستمرار تدفقها، ولا تزال كذلك، ولم يتمكّن العرش الهاشمي من إنشاء اقتصاد قوي خاص به يعتمد على الاستثمار في الموارد البشرية للتحرر من الحاجة إلى المساعدات الدولية (أو لم يتم السماح له بذلك). وبعد مرور أكثر من مائة عام على إنشاء الدولة، بقي وجود هذه الدولة مرتهناً بالحماية الغربية بشتى أنواعها…

لم تكن العلاقات السورية الأردنية جيدة منذ تأسيس الدولتين، لا في عهد الاستقلال، حيث كان للملك عبد الله بن الحسين أطماع في حكم سوريا لتعويض هزالة دولته، والمطالبة بإرث الملك فيصل شقيقه، الذي أخرجه الفرنسيون من سوريا واحتضنه الإنكليز وأعطوه عرش العراق.

وفي حقبة الأسد والملك حسين، كانت العلاقات سيئة ووصلت إلى حد حشود عسكرية على الحدود، وبموتهما لم تكن العلاقة بين وريثيهما جيدة أيضاً.

كانت مواقف الأردن من الثورة السورية متماشية مع البوصلة الدولية لإنهاك كل الخصوم في معارك قد لا تنتهي بحسم أحد الأطراف لها، واستنزاف الجهد الإيراني فيها وإنهاكه، والتطلع إلى إنهاء هذا النفوذ إذا ما كانت هناك ضرورة لذلك.

استضاف الأردن غرفة الموك على أراضيه، والتي وُجِدت أساساً للسيطرة على توجيه الدعم العسكري للثوار، وضبط خريطة المعارك والتحكّم، ما أمكن، في مسار الحرب السورية ونتائجها. وبالتالي، تم ضبط إيقاع وصول السلاح النوعي، كماً وعدداً، إلى سوريا لإبقاء حالة التوازن قائمة على الأرض، لأن وصول أي سلاح نوعي للثورة السورية خارج عين الموك سيؤدي إلى إسقاط نظام الأسد سريعاً، قبل تحقيق الأهداف من الحرب، وفي وقت لم تكن فيه الرؤى واضحة بشأن من سيأتي بدلاً عنه.

لم يُقصّر الأردن، شعباً وحكومة، في احتضان اللاجئين الفارين من جحيم إرهاب الأسد على الثورة وحواضنها، واستضاف أكثر من مليون لاجئ سوري، وكانت المعاملة أفضل من كل بلدان الهجرة الإجبارية التي ضمّت السوريين، ولا يزال مليون منهم مقيماً في الأردن بعد مضي ما يقارب العامين على إسقاط الأسد، بمعنى أنه لم تجرِ أي عملية ترحيل قسرية لهم أو تضييق عليهم، وهم بالأساس يأكلون من كدّ يمينهم.

بعد استيلاء قوات الأسد على الجنوب السوري بتواطؤ دولي، وانفراط عقد غرفة الموك، ودخول الدولة الروسية الراعية لنظام الأسد في تفاهمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أيقنت الحكومة الأردنية أن نظام الأسد باقٍ، وأرادت التخفيف من شروره عليها بعد أن كانت في صفّ أعدائه وفتحت أراضيها لمعارضيه، إلا أن الأسد والمحور الإيراني أرادا معاقبتها بإشعال الحدود البالغة 375 كم بعصابات تهريب الكبتاغون والسلاح، واعتبار الأردن ممراً لوصول السموم القاتلة إلى دول الخليج الغنية لتدمير بنيتها الاجتماعية، وتأمين موارد مالية ينفق منها الأسد على قواته، ناهيك بطموح طهران لإسقاط عمّان وجعلها العاصمة العربية الخامسة الخاضعة لنظام ولاية الفقيه.

استفاد الأردن أكثر من غيره من انتصار الثورة السورية، وتخلص من الكابوس الإيراني الجاثم على حدوده الشمالية، ومن الطبيعي أن يلجأ العهد الجديد إلى بناء علاقات قوية مع المملكة الشقيقة، ومن البديهي أن تُرحّب المملكة بتلك التوجهات واستبدال عدو سابق بصديق حالي وحليف مستقبلي محتمل.

وقف الأردن إلى جانب الحكومة السورية وأيدها في جميع خطواتها المتعلقة بمسألة تشكّل جيب انفصالي درزي مدعوم من إسرائيل، وأقفل حدوده مع السويداء بشكل كامل.

جاءت الضربات الأردنية الأخيرة على درعا خارج سياق طبيعة الأحداث في المنطقة، وخارج إطار دفء العلاقة بين البلدين، بل وحتى خارج الحصافة السياسية للدول الصديقة، وأظهر المشهد ارتباكاً في القرار السياسي الأردني في أعلى مستوياته. فبعد الاعتداء الإرهابي على الكنيسة في الكرك، والذي يحمل في طياته فشلاً ذريعاً للأمن الأردني، تمكنت قوى الأمن من اعتقال المنفذين الثلاثة بعد يومين، وهم أحياء، وهذا عمل جيد يمكن الاكتفاء به لمحو صورة الاختراق الأمني. وتم الإعلان من قبل وزير الداخلية بأن الاعتداء تم تنفيذه من شقيقين وصهرهما بشكل عفوي، ودون وجود ارتباطات خارجية لهم، لكن العذر الأقبح من الذنب هو تبرير قتل عائلة بدوية سورية بقصف طيران F-16، بالقول إن هناك تنظيمات إرهابية في الأراضي السورية ساهمت في عملية الكرك، في نفي لمحتوى المؤتمر الصحفي لأهم شخصيتين أمنيتين في الأردن.

أغلب الظن أن الحكومة الأردنية تشعر بنقمة شعبية تجاه هذا الفعل، وأن الأردن، الذي يُعتبر خط الدفاع الجوي الأول عن إسرائيل (على الأقل بحكم موقعه الجغرافي على مسار الصواريخ والمسيّرات الإيرانية)، أصبح في الآونة الأخيرة يتعرض لاستهداف أراضيه علناً من الحرس الثوري، وتُوقَع خسائر فيما يقال إنها قواعد أمريكية ومحيطها، ولم يجرؤ الأردن على الرد على إيران بأي فعل حربي مماثل. ولامتصاص النقمة الشعبية وتصدير أزماته إلى الخارج، جاءت تلك الغارات الأردنية لادعاء قوة زائفة وانتقام مزعوم.

وقد يكون هذا التحليل مدعوماً بمعلومات استخبارية مضللة أرسلها عملاء أردنيون على الأرض، جرى اختراقهم إسرائيلياً، أو سعوا إلى تقديم خدمات لعصابات الهجري لتسميم العلاقة بين البلدين وإحداث شرخ بينهما، حيث كانت المعطيات الاستخبارية الأردنية تشير إلى قناعة بأن الأماكن الثلاثة التي تم قصفها تتواجد فيها عناصر إرهابية، وبالتأكيد هذا فشل استخباري كبير.

كان السوريون أكثر حصافة وحكمة في التعامل مع الجريمة من الحكومة الأردنية، التي تورطت بالقتل وثبت فشلها على كل المستويات السياسية والاستخبارية، وبالتالي ستسعى الحكومتان إلى تطويق ما حدث وتبريد الحدث لمنع الأعداء من الاصطياد في المياه العكرة.

د. باسل أورفه لي

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني