
حين تصبح الملكية اختباراً لشرعية الدولة
ليست قضية الاستملاك في جوهرها نزاعاً على عقار وإنما اختبار حقيقي لحدود سلطة الدولة ولقدرة القانون على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية. ومن هنا فإن قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 يستحقان مراجعة قانونية وسياسية عميقة تنتهي إلى إلغائهما وبناء منظومة تشريعية جديدة تجعل حماية الملكية والإنصاف جزءاً من فلسفة التخطيط العمراني لا استثناءً عليها.
فالملكية الخاصة محمية دستورياً ولا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل. وينص الدستور السوري لعام 2012 صراحة على أن التعويض يجب أن يكون معادلاً للقيمة الحقيقية للملكية. وهذه القاعدة الدستورية ليست عبارة إنشائية وإنما قيد جوهري على السلطة العامة. فالمنفعة العامة شرط لنزع الملكية والتعويض العادل شرط آخر ولا يكفي تحقق أحدهما دون الآخر.
ومن هنا تبرز المسألة القانونية الأولى: من يحدد المنفعة العامة وما حدودها؟ فقانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 يمنح جهات واسعة من القطاع العام صلاحية استملاك العقارات لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام. وهذا الاتساع في نطاق السلطة يستوجب بالضرورة رقابة أقوى على استعمالها حتى لا تتحول عبارة المنفعة العامة إلى مفهوم مطاط يسمح بتغليب القرار الإداري على الحق الخاص.
والمسألة الثانية تتعلق بالتعويض. فالقانون وضع آليات خاصة لتقدير التعويض من خلال لجان إدارية تبدأ بتقدير قيمة العقار وفق قواعد محددة ثم تتيح مساراً لإعادة النظر في التقدير. غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في وجود آلية للتعويض وإنما في مدى قدرتها على تحقيق المعيار الدستوري الذي يشترط أن يعادل التعويض القيمة الحقيقية للملكية. فإذا كان التعويض لا يعكس القيمة الاقتصادية الفعلية للحق المنزوع فإن الاستملاك يتحول عملياً من نزع ملكية مقابل تعويض إلى تحميل فرد أو مجموعة محددة عبء مشروع يفترض أنه أنشئ لمصلحة المجتمع كله.
وهنا يظهر مبدأ قانوني بالغ الأهمية هو التناسب. فحتى عندما تكون الغاية عامة ومشروعة ينبغي أن تكون الوسيلة متناسبة معها وألا تفرض على أصحاب الحقوق عبئاً يتجاوز ما تقتضيه المصلحة العامة. والتناسب لا يتعلق فقط بمقدار التعويض وإنما أيضاً بضرورة الاستملاك ونطاقه وآثاره والبدائل الممكنة وسبل حماية المتضررين.
أما المرسوم 66 فقد نقل المسألة إلى مستوى أكثر تعقيداً لأنه لا يتعامل مع عقار منفرد أو مشروع محدد وإنما مع إعادة تنظيم مناطق عمرانية واسعة بهدف تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي. وهنا يصبح السؤال القانوني والسياسي أكثر اتساعاً: هل يكفي أن يكون الهدف تنظيمياً وعمرانياً حتى تكون كل الآثار المترتبة عليه مبررة قانوناً؟ الجواب لا يمكن أن يكون بالإيجاب بصورة تلقائية. فمشروعية الغاية لا تعني بالضرورة مشروعية كل وسيلة لتحقيقها.
التنظيم العمراني يجب أن يراعي حقوق المالكين وأصحاب الحقوق والسكان وأن يوفر ضمانات فعلية للاعتراض والتعويض والإنصاف. فالحق في الملكية لا يحمي فقط العقار المسجل وإنما يفرض على المشرع والإدارة مراعاة الآثار الفعلية التي تترتب على إعادة التنظيم. وعندما تكون النتيجة العملية هي إضعاف قدرة أصحاب الحقوق على الاحتفاظ بمكانهم أو الحصول على قيمة عادلة لما فقدوه فإن المسألة تصبح بحاجة إلى مراجعة قانونية لا إلى الدفاع عن النص لمجرد صدوره.
كما أن الرقابة القضائية تمثل الحلقة الحاسمة في هذه المنظومة. فوجود لجان إدارية لتقدير التعويض لا يغني عن حق المتضرر في الوصول إلى قضاء قادر على فحص مشروعية القرار ومدى توافر المنفعة العامة وسلامة الإجراءات وعدالة التعويض وتناسب التدخل مع الغاية المقصودة. فالحق الذي لا يستطيع صاحبه الدفاع عنه أمام جهة مستقلة وفعالة يبقى حقاً ناقص الحماية.
ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد إلغاء قانون الاستملاك رقم 20 والمرسوم 66 واستبدالهما بنصوص أخرى وإنما إعادة تأسيس المنظومة كلها على مبادئ واضحة: تحديد دقيق للمنفعة العامة وإثبات ضرورتها والتناسب في نزع الملكية وتعويض يعادل القيمة الحقيقية للحق وضمان المشاركة والإخطار وحق الاعتراض واللجوء الفعال إلى القضاء ومراجعة الآثار السابقة التي ثبت فيها وقوع إجحاف.
إن القضية في النهاية ليست بين الدولة والمالك وإنما بين مفهومين لدور الدولة. مفهوم يرى أن التنمية تمنح الإدارة سلطة واسعة ثم يطلب من المواطن التكيف مع نتائجها ومفهوم آخر يرى أن التنمية نفسها لا تكون مشروعة ومستدامة إلا عندما تجري في إطار القانون وتحمي حقوق من تطالهم آثارها.
ومن هنا فإن إلغاء هذه التشريعات يمكن أن يكون خطوة سياسية وقانونية باتجاه إعادة بناء الثقة. فالملكية الخاصة ليست عقبة أمام المصلحة العامة والمنفعة العامة ليست تفويضاً مفتوحاً للانتقاص من حقوق الأفراد. وبين الاثنين يقف القانون ليضع الحدود ويضمن التوازن.
إن الدولة القوية ليست التي تستطيع انتزاع الملكية وإنما التي تستطيع أن تمارس سلطتها دون أن تفقد ثقة مواطنيها. والاستقرار لا ينتج عن إسكات الشعور بالغبن بل عن إزالة أسبابه. وإذا كان المطلوب بناء عقد اجتماعي جديد فإن إحدى قواعده الأساسية يجب أن تكون واضحة: لا تنمية مستدامة من دون عدالة قانونية ولا دولة قوية من دون حماية حقيقية لحقوق مواطنيها.