
من النفع العام إلى أبيات هيلز.. أين ذهبت أراضي الملاك في قدسيا؟
تُعد قضايا العقارات في سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام، من أكثر التحديات التي تواجه الحكومة ومجلس الشعب. ففي منطقة قدسيا، يتسم الوضع بتعقيدٍ يحول دون اختزاله في مجرد نزاع عقاري، إذ يحتج ملاك الأراضي التي نُزعت ملكيتها قبل عقود على إقامة مشاريع سكنية واستثمارية جديدة على تلك الأراضي ذاتها. وفي المقابل، تؤكد المصادر الرسمية أن إجراءات نزع الملكية تمت وفقاً للقانون، وأن كل حالة تنطوي على ملفات ووثائق وحقوق محددة تستوجب التحقق منها. وبين هذين الموقفين، نجد أنفسنا أمام واقعٍ تغيرت فيه قيم الأراضي وتبدلت معالم المنطقة، بل وتغيرت طبيعة المسألة برمتها: فإذا كانت الملكية قد نُزعت بدعوى “المصلحة العامة”، فما الذي تبقى من هذا المبرر بعد مرور أربعين عاماً؟
تقودنا هذه القضية مباشرة إلى المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983. ولا تكمن إشكالية هذا القانون فقط في منحه الدولة سلطة نزع الملكية الخاصة فحسب، بل أيضاً في اعتماده تعريفاً شديد الاتساع لمفهوم “المصلحة العامة” إذ تشمل المادة الثالثة منه إلى جانب الطرق والمستشفيات والمدارس والمرافق العامة منشآت تابعة لحزب البعث والمنظمات الشعبية، ومشاريع سياحية وتموينية، ومشاريع مرتبطة بتنفيذ خطط التنمية والاستثمار، فضلاً عن المناطق الصناعية ومشاريع القطاع العام.
أما المادة الرابعة ففيها ما يستحق التوقف. يجيز القانون استملاك العقارات وتقسيمها إلى مقاسم للبناء، ثم بيعها للراغبين في إقامة مساكن شعبية. والأمر نفسه ينطبق على الأراضي التي تُستملك لإنشاء مناطق صناعية، فالمقاسم الناتجة عنها يمكن تطويرها أو بيعها.
لا يعني ذلك أن كل مشروع سكني أو صناعي أُقيم بهذه الطريقة كان مخالفاً للقانون. لكن النص يفتح باباً مختلفاً: الأرض التي بدأت قصتها باستملاك بداعي المنفعة العامة يمكن أن تنتقل لاحقاً إلى البيع أو الاستثمار. وفي هذه الرحلة، لا يعود صاحبها السابق شريكاً في تقرير مصيرها.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عند المادة 35. فإذا زالت صفة المنفعة العامة عن العقار بعد استملاكه، ينتقل إلى أملاك الدولة الخاصة، ويصبح للجهة المستملكة حق التصرف فيه. أما صاحب الأرض القديم، فلا تعود له أولوية في استردادها إلا في حالة محددة تتعلق بالأرض الزراعية التي بقيت صالحة للاستثمار الزراعي.
وهذه نقطة يصعب تجاهلها. فصاحب الأرض فقد ملكيته لأن الدولة قالت إن الأرض تحتاجها لمصلحة عامة، لكن زوال تلك المصلحة لا يعني بالضرورة عودة الأرض إليه. قد تبقى الأرض مع الدولة، وقد تأخذ طريقاً آخر. وهنا تحديداً تظهر المسافة بين السبب الذي بدأ به الاستملاك والمصير الذي يمكن أن تنتهي إليه الأرض بعد ذلك.
وتُعد منطقة “قدسيا” مثالاً راهناً على حساسية هذه القضية، فقد بدأ العمل في مشروعي “أبيات هيلز” و”شام فيو” على مساحات شاسعة من الأراضي بموجب شراكة بين المؤسسة العامة للإسكان ومستثمرين، في حين يطالب أصحاب الأراضي المنزوعة ملكيتها بتسوية أوضاعهم وحفظ حقوقهم قبل المضي قدماً في هذه المشاريع. وقد أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان عن إنشاء مكتب لتلقي الشكاوى والوثائق ومراجعة الحالات، كما أعلنت المؤسسة العامة للإسكان عن إعادة فتح باب التعويضات لمن لم يحصلوا على تعويض عيني.
وقد أرست الشريعة الإسلامية معياراً أكثر صرامة في هذا الصدد. القرار رقم 29 (4/4) الصادر عن مجلس المجمع الفقهي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي) تقضي بأن نزع الملكية يجب أن يخدم مصلحة عامة حقيقية، وأن يتم بموجب تفويض من السلطة المختصة، مع توفير تعويض فوري وعادل لا يقل عن القيمة السوقية، وألا تُستخدم العقارات المنزوعة ملكيتها في استثمارات عامة أو خاصة. وعلاوة على ذلك يمنح القرار نفسه، المالك الأصلي أو ورثته الأولوية في استرداد العقار في حال تم التخلي عن المصلحة التي نُزعت الملكية لأجلها. ولا يعني هذا أن كل عملية نزع ملكية تمت بموجب المرسوم رقم 20 تُعد غصباً، أو أن كل مشروع استثماري يُقام على أرض منزوعة الملكية ينتهك حقوق الملكية، فهذه مسائل تتطلب دراسة كل حالة على حدة. ومع ذلك لا يمكن تجاهل الفجوة الكبيرة التي يتركها القانون بين لحظة نزع الملكية وتحديد الدولة اللاحق لكيفية استخدام الأرض. ولذا فإن عملية نزع الملكية الحالية تستدعي مراجعة تتجاوز مجرد دفع التعويضات المتأخرة، إذ تتطلب حصر العقارات، والتحقق مما إذا كان الغرض الأصلي من نزع الملكية قد تحقق، وتحديد ما إذا كان ذلك الغرض قد تغير، ومراجعة الحالات التي لم يُنفذ فيها المشروع من الأساس. وبهذه الطريقة وحدها يمكن للدولة الموازنة بين حقها في التخطيط والتنمية وحق المواطن في الملكية.
إن الأرض التي نُزعت ملكيتها من صاحبها قبل عقود لصالح مشروع عام والتي خُصصت الآن لمشروع مختلف لا يمكن النظر إليها ببساطة على أنها مجرد موضوع لأمر نزع ملكية، فالسؤال الأهم هو: ما الذي تبقى من المصلحة العامة التي دفعت الدولة ثمنها على حساب ملكية المواطن؟