إعلان إسقاط النظام يستلزم إزالة آثاره

0 15

ماذا يعني أن نعلن إسقاط وإزالة النظام الطائفي البائد، وكيف يحق لنا أن ندّعي إسقاطه وأن نعتبر أنفسنا بأننا قد حرّرنا سورية وخلّصنا الشعب السوري من الظلم والاستبداد؟ ماذا يعني ذلك إذا كانت آثار النظام المخلوع لا تزال حاضرة وقائمة؟ وتشمل آثار النظام ثقافة الفساد والرشاوى، وتلاشي القيم النبيلة والأخلاق الحميدة، واستبدالها بالدناءة والرذالة، مثل ظواهر الوصولية والانتهازية والوشايات والافتراءات الكيدية وغير ذلك من مخازٍ وسفالات.

ولكن إن من أوضح آثار ومتَبقّيات النظام، وأكثرها دلالة على بقائه واستمرار فعاليته، هي مراسيم وقرارات النظام التي لا تزال مفعّلة وعاملة، لكي تسجّل بذلك أعجوبة الدنيا الثامنة! وإن من أفظع هذه الآثار وأشملها ضرراً وأعمقها حقداً ودهاءً هي ما عُرفت بمراسيم الاستملاك، وللعلم فإن هذه المراسيم هي تجميل وتنميق لما هو أفظع وأبشع! كيف ولماذا؟

ولشرح وتفصيل ذلك: لقد أصبح من الثابت والمفروغ منه بأن النظام البائد هو نظام طائفي وظيفي عميل، وهو نظام حكم دكتاتوري بوليسي مخابراتي يعتمد على مكوّن معيّن وعلى عصابات إجرامية مرتزقة، وكان النظام يستخدم طاقات الخزان البشري الموالي في محاور ومربعات أمنية وعسكرية لهدفٍ وحيد، وهو حماية السلطة والسيطرة على المقدّرات الاقتصادية والموارد المالية، وكان يتركز وجود جيش وميليشيات وعصابات النظام ونشاطها في المدن، وبالطبع فإن مدينة دمشق العاصمة هي المربع الأول والأكبر.

ولهذا السبب، فإن النظام منذ سبعينيات القرن الماضي بدأ يضطرُّ إلى متابعة أمور ومشاكل الحاضنة المؤيدة التي استقطبها واستدعى إسكانها في دمشق ومحيطها، ومع تعاظم الحاجة الأمنية لحماية كرسي السلطة، فقد كان يتزايد باطراد أعداد الميليشيات وعوائلهم (الحاضنة)، وأصبح النظام يشجع ويدفع، بل يقوم ويشرف على عمليات (الاستيطان).

وبالتفصيل: لقد بدأ النظام منذ السبعينيات بإصدار قوانين الإيجار الجائرة التي تتحيز بشكل واضح لصالح المستأجر، وبذريعة كاذبة بنصرة الفقير، ثم ازداد النظام الطائفي صلفاً وعنجهيّة، فأصبح يصادر الأراضي ذات الملكيّة الخاصة ويحتلّها، ويقيم على بعضها مساكن لعائلات جنوده حماة السلطة، أما على معظم هذه الأراضي فكان يسمح ويشجع إنشاء مخالفات وعشوائيات إسكانية لمواليه.

وهذه المستوطنات معروفة للجميع، وهي تنتشر في دمشق ومحيطها، وقد أحدثت خللاً متشعباً ونشازاً ظاهراً في العاصمة، وهناك آلاف من المالكين الأصليين لهذه الأرض يعانون قسوة الفقر من جهة، وثقل الحيف والظلم بسرقة أملاكهم من جهة أخرى، ويطالبون بأبسط الحقوق بإعادة أملاكهم.

ولكن مع ازدياد عصابات النظام وميليشيات حمايته، ومع اتساع أطماعهم، فقد تضاعفت حاجة النظام إلى الأموال والأرباح، فدخل عالم الاقتصاد الوهمي والاستثمار الخلبي، وذلك بإدخال رأسماليين وشركات تعتمد على الفساد، وإن أسهل المجالات للفساد والربح السريع هو مجال العقارات والإعمار.

وخدمة لذلك، فقد صدرت ما تم تسميتها بمراسيم الاستملاك، وتقتضي وضع اليد والسيطرة على مساحات أرض وانتزاعها من مالكيها وإعطائها لجهة تستثمرها لإنشاء عقارات، ومن أشهر هذه المراسيم:

المرسوم 20 لعام 1983
والمرسوم 66 لعام 2012.

ومن الواضح أن هذه المراسيم جريمة موصوفة، لا تختلف عن جريمة السطو المسلح، لأنها تنتزع مالاً مقوّماً وجاهزاً للاستخدام من مالكه الأصلي قانوناً، وتمنحه للغير مقابل منفعة وكسب غير مشروع.

ويجدر بالذكر بأن المالكين الأصليين المظلومين قد قاموا ولا يزالون يقومون بالمطالبة بحقوقهم بكافة الطرق والأساليب المتاحة والقانونية، من عرائض ورسائل ومقابلات وشكاوى، حتى وقفات احتجاجية ومظاهرات، وإن مما يزيد من عجائب سورية الجديدة أن طلبات ومطالبات واحتجاجات المالكين مسلوبي الحق لم تلقَ جواباً، ولم يتم إعادة حقهم.

ونحن سنعتبر أنفسنا طرفاً حيادياً، ولكن بعد أن أخذتنا الحيرة والتعجب من رفض الاستجابة، فإننا نسأل: هل هناك أسباب قانونية أو موضوعية ومنطقية تبرّر هذا الرفض، وتشرح حيثيات غامضة تفرض الرفض أو التأجيل؟ أو هل أن الجهة المستفيدة من تنفيذ المراسيم لها خدمات للوطن أو فضل على الشعب لا نعلمه، أو أنها كانت تعمل خلف الخطوط لصالح الثورة؟؟

وإننا من موقع الحرص، وبحسب ما نرصده وما نراه، نقول: يجب إنصاف المظلومين، وخاصة الذين تم ظلمهم من جانب النظام وعصاباته، ويجب مسح آثار وبصمات النظام بشكل مطلق.

ولا يوجد مانع من إلغاء هذه المراسيم، بل أيضاً من إزالة المخالفات والتجمعات السكانية العشوائية وغير القانونية، لأن إبقاءها يخالف القانون ومقتضى العدالة، أما الإلغاء والإزالة فإن القانون والدستور السوري يؤيد ويمنح كامل الحق، وكذلك القوانين الدولية تدعم ذلك ولا تعارضه، أضف إلى ذلك التأييد الشعبي والإرادة الشعبية العادلة والعقلانية.

وأخيراً نختصر بالخلاصة: إن مثل هذه المراسيم والإجراءات (مراسيم الاستملاك) هي وجه الفساد، وهي النهج الموازي والمكمّل والتطبيق العملي لطبيعة وماهية وأسس النظام الطائفي الخياني المجرم وناهب الشعب ومستعمر البلاد، فهل نكتفي بهروب رئيس النظام ونترك النظام بذاته وبسياساته؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني