منظومة قوة عربية.. هل يكتمل الحلم؟

0 58

تعود فكرة التعاون الدفاعي العربي إلى عقود مضت. فقد وضعت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربية عام 1950 إطاراً للتعاون العسكري والدفاع الجماعي، ونصت على تنسيق القوات وإنشاء لجنة عسكرية دائمة ومجلس للدفاع المشترك.

ثم عادت فكرة القوة العربية المشتركة إلى الواجهة في قمة شرم الشيخ عام 2015. ومع ذلك بقي الانتقال من الاتفاقات والمبادئ إلى منظومة قوة متكاملة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان الرغبة فيه. 

لكن ربما يكون السؤال اليوم أوسع من: هل يستطيع العرب إنشاء جيش واحد؟

السؤال الأهم هو: هل يستطيع العرب بناء منظومة قوة عربية شاملة؟

فالوطن العربي يمتلك كثيراً من مقومات القوة التي يمكن، إذا اجتمعت ضمن رؤية مشتركة، أن تجعله قوة مؤثرة في النظام الدولي، من المساحة الواسعة وعدد السكان، إلى الثروات الطبيعية والطاقة، والأسواق ورؤوس الأموال، والمقومات السياحية والحضارية، وصولاً إلى موقع جغرافي يتوسط قارات العالم ويشرف على طرق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

وتزداد أهمية هذه الجغرافيا عندما ننظر إلى البحار والممرات التي تحيط بالعالم العربي أو تمر عبره.

 فهو يرتبط بالبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب، ويجاور ممرات استراتيجية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز. ولذلك فإن ما يحدث في هذه المنطقة لا يبقى داخل حدودها.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة مدى ترابط المنطقة بالاقتصاد العالمي، فعندما اضطربت حركة النفط عبر مضيق هرمز وارتفعت أسعار الوقود، لم تتوقف آثار الأزمة عند دول المنطقة، بل امتدت إلى أسواق الطاقة والاستهلاك والنقل في أنحاء مختلفة من العالم.

وقد ربطت وكالة الطاقة الدولية في تقاريرها لعام 2026 بين استمرار إغلاق المضيق وارتفاع أسعار الوقود وتراجع توقعات الطلب العالمي على النفط. 

ولعل الوطن العربي في هذا المعنى يشبه (القلب من الجسد)، فإذا اضطرب القلب، لم يبق أثر الاضطراب محصوراً فيه، بل امتد إلى بقية الجسد.

وإذا كان هذا القلب مستقراً وآمناً وقادراً على حماية موارده وممراته، فإن أثر ذلك يمكن أن ينعكس على محيطه والعالم من حوله، فاستقرار المنطقة العربية ليس مصلحة عربية فحسب، بل يمكن أن يصبح عاملاً من عوامل الاستقرار الاقتصادي والأمني الدولي.

لكن بناء هذه القوة ليس مسألة عسكرية فقط، فالدولة الوطنية تضع قرار الحرب والسلم في صميم سيادتها، ومن الصعب أن تنتقل هذه الصلاحية دفعة واحدة إلى قيادة مشتركة.

كما أن اختلاف المصالح والأولويات وتقدير مصادر التهديد والعقائد العسكرية يجعل الوصول إلى جيش عربي واحد في وقت قريب أمراً بالغ التعقيد، لكنه ليس مستحيلاً.

وهنا تقدم أوروبا درساً يستحق التأمل، فالاتحاد الأوروبي لا يملك جيشاً واحداً، والدفاع لا يزال اختصاصاً وطنياً، لكنه يعمل على رفع الجاهزية الدفاعية عبر التعاون في المشتريات، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز الدفاع الجوي والإنذار المبكر، وتحسين قابلية التشغيل البيني بين القدرات الوطنية.

وفي يونيو 2026 دعا المجلس الأوروبي إلى رفع الجاهزية الدفاعية بحلول عام 2030 وتقليل التبعيات الاستراتيجية وسد فجوات القدرات. 

وهنا يمكن للعرب أن يستفيدوا من منطق التجربة الأوروبية لا من شكلها، فالبداية لا تحتاج إلى إلغاء الجيوش الوطنية، بل يمكن أن تكون عبر هيئة أركان للتنسيق، ونظام إنذار مبكر، وتعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، وقوات تدخل سريع، ومناورات مشتركة، وتقريب معايير التدريب، وتنسيق المشتريات، ثم بناء قاعدة صناعات دفاعية عربية قادرة على تقليل الاعتماد الخارجي.

ولا ينبغي أن تتوقف المنظومة عند البعد العسكري، فالقوة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية هي التي تمنح القوة العسكرية القدرة على الاستمرار، ويمكن أن يشكل أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والخليج والبحر المتوسط مجالاً طبيعياً للتعاون العربي في حماية الملاحة والتجارة، كما يمكن للتكامل الاقتصادي والصناعي أن يوفر جزءاً من القاعدة التي تحتاجها المنظومة الدفاعية.

ولا يعني ذلك أن تكون المنظومة العربية مغلقة على نفسها، فإذا نجحت في بناء أساس متين، يمكنها إقامة شراكات دفاعية مع دول تمتلك قدرات وخبرات مكملة، وتوسيع دائرة التعاون وفق المصالح المشتركة، بحيث تتحول القوة العربية تدريجياً إلى مركز لشبكة أوسع من الشراكات.

فالعالم العربي لا يفتقر إلى عناصر القوة، وإنما يواجه تحدي جمع هذه العناصر في معادلة واحدة.

وإذا اجتمعت الجغرافيا والثروة والسكان والاقتصاد والقدرة العسكرية والتكنولوجية ضمن رؤية مشتركة، فإن النتيجة لن تكون مجرد جيش أقوى، بل منظومة قوة قادرة على حماية المصالح العربية والتأثير في محيطها.

وربما لا يكون الجيش العربي الموحد نقطة البداية، بل إحدى النتائج المحتملة لمسار أطول من التنسيق إلى التعاون، ومن التعاون إلى منظومة دفاع مشتركة، ومن منظومة دفاع مشتركة إلى قاعدة صناعية واقتصادية وتقنية، ثم إلى شبكة أوسع من الشراكات.

وعندها قد لا يكون السؤال (هل يكتمل الحلم؟)، بل سيكون سؤالاً أكثر واقعية (متى وكيف يبدأ؟).

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني