
الاستثمار المفقود.. بين الأجندة السياسية والاعتماد على الذات
في العاشر من آذار عام 2023، حصلت تسوية كبرى بين المملكة العربية السعودية وإيران برعاية صينية، حيث تمّ التوقيع في بكين على تفاهم بين البلدين يتيح الاعتراف بمناطق نفوذ كل واحد منهما، وعدم الاشتباك بالوكالة في أيّ مكان. ومن مخرجات هذا التفاهم الاعتراف السعودي ببقاء بشار الأسد، والعمل على إعادة تعويمه عربياً على الأقل، بعد أن كان الفيتو السعودي حائلاً أمام عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، وبالتالي فكّ العزلة عنه ليكون منطلقاً لفعل مماثل غربياً. كان التقدير السعودي أن الأسد باقٍ في حكم سوريا برغبة دولية، أقلّها عدم توفر بديل مناسب له، يضاف إلى ذلك عدم قدرة ما تبقى من قوى الثورة على تغيير ميزان القوى والإطاحة بالنظام.
تمّت إعادة نظام الأسد إلى المنظومة العربية الرسمية، واستُقبل استقبالاً حاراً في جدة، حيث عُقدت القمة، وسبق ذلك الحدث زيارة وزير الخارجية السعودي إلى دمشق لترتيب الأجواء، وكانت تلك الزيارة مفاجئة ومحبطة لجمهور الثورة السورية، وهلّلت بها أبواق النظام تحت عناوين: الهرولة العربية إلى دمشق، ومباركة المنتصر والاعتذار منه وله.
تلا القمة العربية دعوة المملكة لنظام الأسد لحضور القمة العربية الإسلامية الطارئة في الرياض بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023.
حاول وفد عربي وزاري التفاوض مع دمشق على تطبيع كامل، مقابل تخفيف النظام للنفوذ الإيراني، وتخفيف إغراق المنطقة بالكبتاغون الآتي من سوريا، وعُرفت فيما بعد بسياسة «الخطوة بخطوة». فشلت تلك المفاوضات بسبب تعنّت الأسد. ولم يتأخر الثوار السوريون، ففي 27 نوفمبر 2024 أطلقوا معركة ردع العدوان، والوصول إلى دمشق، وطيّ صفحة الأسد إلى الأبد، وطرد الاحتلال الإيراني كاملاً، وهي أكبر خسارة استراتيجية واجهتها إيران منذ انطلاق مشروعها الإمبراطوري المسمّى بالهلال الشيعي.
قدّم انتصار الثورة السورية والإطاحة بنظام الأسد أكبر هدية للمحور العربي المناهض لإيران، لأنه أضعف المحور الإيراني كثيراً، حيث تم فرط خيط السبحة الإيراني، وباتت حبّاته المسلحة متناثرة على الأرض.
لم يُقصّر العرب والأتراك والأوروبيون والأمريكيون في احتضان القيادة السورية الجديدة المنتصرة، وذلك بالرغم من إرث الماضي والتصنيفات الموضوعة، وبدأ العمل حثيثاً لفكّ العزلة السياسية والدبلوماسية عن سوريا، إلى جانب مسار رفع العقوبات الاقتصادية، وأهمها قانون قيصر، والذي كان يحول أمام أي نهضة سورية مقبلة، وكانت تلك الجهود تحركها ترويكا سعودية – قطرية – تركية.
حققت تلك الجهود نجاحاً مبهراً، ساعده في ذلك مدى الحكمة والحصافة التي امتلكها القادة الجدد في دمشق.
كان التقصير العربي والدولي في ضخ استثمارات تعيد الحياة للاقتصاد السوري له عذر واضح، وهو أن الجميع يتلهف، أو ينتظر على الأقل، رفع العقوبات الأمريكية، تحت حجج أن رأس المال جبان، وأن البيروقراطية الأمريكية ستأخذ وقتها لإزالة العوائق من إرسال أموال إلى سوريا.
من يريد أن يلتمس عذراً فله الحق في تلك القناعة، حتى إن عدد مذكرات التفاهم التي تم توقيعها، وبحضور شخصي من الرئيس، وفي قصر الشعب أحياناً، والاحتفاء الزائد بالضيوف، غطّى شتّى أوجه الاستثمار في كل قطاعات الاقتصاد السوري المتداعي، والذي يحتاج إلى تحريك دورة الإنتاج بأقصى سرعة، دون انتظار البيروقراطيات أو التذرع بجبن رأس المال أو حذره من المخاطر.
أنجزت القيادة السورية أكثر مما هو مطلوب منها في زمن قياسي، حيث تمكّنت من الإمساك بالبلاد، ومنع قيام صراعات أهلية أو عمليات انتقامية، وتمكنت من توحيد البلاد والعباد تحت سلطة مركزية واحدة، واحتكار السلاح بيدها فقط. وبفضل سياسة الحزم أحياناً واللين أحياناً أخرى، تم خلق بيئة آمنة لمستثمر سوري أو عربي من البدء بباكورة أعماله، مع بوصلة تسير باتجاه الأفضل.
بدأت حجج أخرى لتبرير عدم وصول الاستثمارات بعد إنجازات الحكومة الجيدة نسبياً، بأنه لا بد من تغيير القوانين، وتأمين سيادة مطلقة للقضاء وفصله عن السلطات الأخرى، ولا بد من مباشرة المجلس التشريعي لأعماله والبدء بإلغاء تشريعات قديمة وسنّ أخرى جديدة، إضافة إلى تضخيم جرائم عادية أو اختلاقها من الأساس لتقديم سردية عدم الاستقرار الأمني وانتشار الفوضى. كان يتم تقديم سوريا كغابة، بينما الدول العربية، على سبيل المثال، لا تتمتع بأدنى درجات الحوكمة والشفافية وفصل السلطات وسيادة القانون، لأنها أنظمة غير ديمقراطية بالأساس.
تبيّن فيما بعد أنه قد تكون هناك أسباب مقصودة للتلويح بضخ الأموال وإنعاش الاقتصاد السوري دون أي فعل حقيقي على الأرض.
بعض الأموال القليلة التي وصلت من الأشقاء العرب تم دفعها كرواتب لقوى الأمن والجيش، وهما أهم مؤسستين بعد التحرير، ويتوقف على نجاح بنائهما كل الإنجاز السوري، خاصة أنه يتم البناء من الصفر، بكل ما يحتاجه ذلك من موارد ضخمة لا تتوفر لدى الحكومة السورية المنوط بها الاهتمام بكل القطاعات المنهارة في الدولة.
وباكراً، أكّد الرئيس السوري أنه لن يلجأ إلى صناديق الإقراض الدولية حتى لا يتم رهن القرار السيادي لسوريا للدول المالكة لبيوت المال العالمية.
يتم الآن سوق أسباب ضعف الموارد المالية لدول الخليج العربية بسبب الحرب الجارية الآن، وهذه ليست حجة مقنعة، لأن تلك الحرب اندلعت بعد سنة ونصف من بداية العهد الجديد، وهذه الدول غنية لا تتأثر باضطراب تصدير النفط والغاز. أوقفت قطر منذ ثلاثة أشهر منحة الغاز الأذري المصدر لسوريا، كما كرر الرئيس الأمريكي رغبته في تدخل عسكري سوري في لبنان يقضي على حزب الله، وهو العمل الذي لم تقدر عليه إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما، ولم يوافق الرئيس السوري على هذا الطلب. كما أن ترامب كرر مراراً أن إسرائيل دولة ضئيلة الحجم، وهو قد منحها الجولان السوري المحتل لزيادة مساحتها، وبالطبع لم يوافق الرئيس الشرع على أي وعد بتنازل عن الجولان، وفق أي صيغة، إلى دولة الاحتلال. وبرأي، هذا هو السبب الرئيس لعدم توقيع إسرائيل اتفاقاً أمنياً مع سوريا، بل وفي قلب الولايات المتحدة قال الرئيس السوري، بنوع من التهكم، إن ترامب لا يملك الجولان، وبالتالي لا يستطيع منحها لأي أحد، وإذا كان حريصاً على زيادة مساحة إسرائيل، فليمنحها ولاية نيوجيرسي الأمريكية.
وسرّبت مؤخراً صحيفة تركية مقرّبة من جهاز المخابرات أخباراً مفادها أن المملكة العربية السعودية طلبت من الرئيس السوري إرسال قوات لمحاربة الحوثيين في اليمن، وتم رفض الطلب.
وفي زيارتها الأخيرة لدمشق، قالت المفوضة الأوروبية للسياسات الخارجية، كالاس، إذا أرادت سوريا تعاوناً أوروبياً فعلياً، فعليها طرد الروس من سوريا وتجريب التعويل على الاتحاد الأوروبي بدلاً منهم، وبالطبع وضعت القيادة السورية إطاراً حالياً ومستقبلياً للعلاقة مع روسيا، آخذة بعين الاعتبار المصالح السورية دون غيرها.
لذلك، من المرجّح أن تكون هناك كلمة سر دولية لمساعدة الدولة السورية مالياً، بشروط تنفيذ لأجندة دولية وقبول الحكومة السورية بما رفضته سابقاً، من أجل ضخ الاستثمارات في الاقتصاد السوري.
سنشهد حتماً اهتماماً أوروبياً وتركيّاً وخليجياً وأمريكياً بالاستثمار في الطرق البرية والحديدية التي تربط أوروبا بالخليج العربي عبر سوريا، خاصة أن سوريا يتم النظر إليها الآن كبديل جزئي لمضيقي هرمز وباب المندب، كما أن خطط إنشاء أنابيب نقل الطاقة تجري دراستها على قدم وساق، وظهر إلى العلن منها الاتفاقيات مع العراق.
لذلك، ما على السوريين إلا الاعتماد على أنفسهم، ومن يأتي من الخارج لغايات استثمار اقتصادية دون أجندة سياسية، لبناء بلدهم، بمعنى: لن يحكّ جلدك إلا ظفرك.