
قسد وعملية الاندماج
لم يكن يوم الثامن من سبتمبر، سنة 2024 يوم سقوط نظام الأسد، بقدر ما كان تاريخاً لتحدّيات جديدة ستواجه الدولة السورية وسلطتها المظفّرة بكبرياء التحرير. لقد كان بداية أكثر منه نهاية. بداية عهد جديد، وبداية دولة جديدة، وبداية أمل جديد ببلد يولد من جديد، من ركام المآسي والدمار.
هذه البداية كانت في الحين ذاته تفتح باب المستقبل على تحديات ومسؤوليات جديدة. وكان أوّل هذه التحديات يتجسّد في حفظ الأمن وعصمة دماء الناس من حالات انتقام وتصفية حسابات خارج إطار الدولة والقانون. ثم هناك معضلة المعيشة والاقتصاد. وأخيراً مسألة توحيد البلد وبسط سيطرة الدولة على كامل تراب الوطن.
هذه ثلاثة تحديات رئيسة وملحة أكثر من غيرها حينها. وهي قضايا متشابكة مرتبطة برباط سببي جامع. ولقد بدأت التحديات الثلاثة بداية متعثّرة إلى درجة ما؛ وهو تعثّر بعوامل مشتركة، بعضها يقع على عاتق السلطة، وبعضها الآخر كان بسبب القوى الأخرى وارتباطاتها السياسية وحساباتها الداخلية والخارجية وعلاقتها بسلطة دمشق.
لقد استطاعت الدولة بسط سيطرتها على مدن الساحل، وتمكنت من إحباط عملية عسكرية شبه انقلابية أو انفصالية، إحباط كانت تكلفته مجازر جديدة بحق أبناء من هذا الوطن الذي ظنّ أهلوه أنهم انتهوا من عهد المجازر. ثم حصلت مشكلة مستجدّة في السويداء وحاولت بعض القوى الداخلية في المدينة مقاومة دخول قوى الأمن التابع للدولة إلى المدينة، فحصل ما حصل من مجازر وانتهاكات مجددة، وتدخل العدو الإسرائيلي ضد الدولة لمنعها من دخول المدينة تحت ذريعة حماية أهلها السوريّين.
وجاءت مشكلة انضمام مدن الجزيرة السورية إلى الدولة الجديدة؛ فقد رفضت قوات قسد أوّل الأمر الدخول الطوعيّ، وجرت مفاوضات برعاية دولية وإلحاح إقليمي وضغط على الطرفين، انتهى بمناوشات هنا وهناك، ثم الاتفاق على اندماج قسد في وزارات الدولة ومؤسساتها، مع منح بعض قاداتها مناصب معتبرة في وزارتي الدفاع والداخلية وفي مؤسسات الدولة الأخرى ضمن محافظة الحسكة.
لكن هذا الاندماج ما يزال هشّاً غير مبنيّ على أسس وطنية مشتركة وعلى ثقة حقيقية متينة متبادلة بين الطرفين. وهذا يطرح تساؤلاً ملحّاً خاصّاً حول ماهيّة الأسباب التي تقف عائقاً أمام الوحدة الوطنية عامة وبين قسد واندماجها في مؤسسات الدولة خاصّة؟
ويمكن أن نجمل هذه الأسباب في هذه المحدّدات الرئيسة التالية:
أوّل هذه الأسباب يكمن في غياب مفهوم الدولة في الوعي السوري الجمعي لأبناء هذا الوطن ومكوّناته. وهذا سبب قلّما يُلتفت إليه أو يُتنبّه له؛ وذلك لأنه سبب فلسفي تربوي عصي على التحديد والإمساك به قبل أن يكون سبباً سياسياً ظاهراً. فدول المنطقة، ما عدا مصر وتركيا وإيران، ما تزال لم تبلغ مستوى الاكتمال المفهومي التصوري الوجداني لمفهوم الدولة في وعي شعوبها ولم تصل درجة الإشباع الذهني لمفهوم المواطنة لدى أهلها وفي وجدانهم.
ما تزال الذهنية الطائفية والعرقية بهوياتها الضيقة والقاتلة – كما سماها أمين معلوف – هي المسيطرة على الفكر السياسي والعواطف والمخيال والذاكرة الجمعية لأبناء هذا الوطن. وهي ذهنية تغذيها المصالح السياسية وارتباطاتها الجدلية.
يضاف إلى ذلك ويغذّيه تدخّلات الدول الإقليمية والدولية في صراعات جيواستراتيجية على موقع هذا البلد جغرافياً وعلى مكانته السياسية وارتباطاته التاريخية.
ثم يوجد سبب آخر مرتبط بهوية السلطة وبرنامجها المتوهّم في تصوّر القوى السورية الأخرى، السياسية منها والعسكرية. ويبدو، من جهة أخرى، أنّ السلطة – حقّاً – تتّجه نحو سيطرة مطلقة على مفاصل الدولة مع ترك حيز هامشي للقوى الأخرى، أي هي بعيدة عن المشاركة السياسية الحقّة.
وأخيراً ثمة رصيد فاجع من الانتهاكات من معظم هذه القوى بحق شعب هذا البلد وخيراته، وهو رصيد يفقدها المقدار الكافي من شرعية الوجود والحكم..
لكن، يبقى الأهم والأولى هو عدم قبول دعوى التماهي بين القوى السياسية والعسكرية من جهة، وبين مكونات شعب هذا الوطن؛ فهو بالرغم من تجاذبات قواه وأحزابه لكنّ الشارع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي عوامل جمع ووحدة أبناء هذا الوطن، وحدة تنتقل من الوجود بالقوة – كما يقال في علم المنطق – إلى الوجود بالفعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
إذن، يمكن القول إن الوحدة الوطنية ما تزال بعيدة المنال في الذهنية التي تحرك هذه القوى الموجودة على الأرض والمتحكمة بالمشهد السوري أو بجزء منه.
فنحن – السوريين – بحاجة إلى خلق عملية سياسية حقيقية، تزيل ركام السنوات الماضية وما سبقها من حقب سياسية تهميشية، وتعيد الحياة إلى مفهوم الدولة ومفهوم المواطنة. وبحاجة، كذلك، إلى مراجعات فكرية واجتماعية وتربوية وسياسية، تجريها جميع هذه القوى المتحكمة بالمشهد السوري، وتمتد لتشمل القوى المدنية الفاعلة فيه.
وهذا يحتاج إلى تظافر جهود نخب هذا البلد السياسية والثقافية وما يتبعها أو يتصل بها من مؤسسات اجتماعية وتربوية وعلمية. والأهم أن هذا كله لا بد فيه من مباركة إقليمية صادقة، ولا يُعوّل في هذا إلا على الدول العربية وخاصة مصر حين تكون بعيدة عن أجندات التجاذبات الإقليمية المتضاربة.