التغريبة الفراتية.. نساء دير الزور تحت مجهر التاريخ

0 8

لا يُعدّ واقع المرأة الفراتية في دير الزور خياراً فرضته على نفسها، بل هو حصيلة مسارات معقدة من التهميش التاريخي، والحروب المتلاحقة، وتنازع القوى السياسية والعسكرية على وجودهن وأدوارهنّ الاجتماعية.

لقد وجَدَت المرأة الفراتية نفسها حطباً لجميع معارك المنطقة، ومطالبةً في الوقت ذاته بلملمة شتات العائلات ومصارعة البقاء.

ما مرت به المرأة الفراتية أصبح شهادة تاريخية ممتدة تتجاوز اللحظة السياسية، محاكماً العادات والتغيرات المتعاقبة أمام حكم الزمن، شهادة وجود هي الأكثر دقة ومباشرة لوصف الانتهاكات والمآسي الميدانية (المجازر، النزوح، الاعتقال، الفقد)؛ تُحمّل ظروف الصراع المسلح المسؤولية المباشرة عن الوجع والتهشيم.

​تتنوع التحديات التي تجابهها النساء على امتداد جغرافية دير الزور، لتشكل لوحة مركبة من المعاناة الإنسانية والاجتماعية:

أقصى الشرق (الباغوز والسوسة): تعيش العائدات من مخيم الهول وصمة مضاعفة.

فهنّ صريعات رحلات النزوح القسرية، ويواجهن رفضاً مجتمعياً وإقصاءً ذوياً، بينما يتحملن عبء إعالة أطفال “مكتومي القيد” بلا أوراق ثبوتية أو أبناء مجهولي النسب، ليصبح البقاء على قيد الانتظار المرير والعزلة الصامتة هو خيارهن الوحيد تحت وطأة الأحكام المجتمعية الجاهزة.

​منطقة الشعيطات (وجع الثكل والترمل): تدفع مئات الأمهات والأرامل (نحو 700 إلى 1000 شهيد) فاتورة المجزرة التي ارتكبها تنظيم “داعش” عام 2014. تحوّلت المرأة هناك إلى معيل تنوء بحملها الأسر المكلومة، وسط جراح مفتوحة تجعل الصدمة الممتدة واقعاً يومياً يُواجَه بقلة الدعم والنسيان.

الريف الوسط (نزوح وضياع)

تجد النازحات من مركز المدينة أنفسهنّ عاجزات وفقدن اسباب العودة الكريمة لغياب الإعمار والخدمات الأساسية في مدينة نسبة الدمار فيها 90%، وفي الوقت ذاته غير قادرات على التكيف مع البيئة الريفية، ليصبح السعي لإنقاذ اليوميات البسيطة أقصى طموحهن.

الريف الغربي (بين السلطة الأبوية وأجندات السيطرة)

الأعراف الاجتماعية: قيود ثقيلة تُلقي بكل أعباء العمل الزراعي ورعاية المواشي على كاهل المرأة، مقابل تجريدها من أي دور في إدارة القضايا العامة.

​الوصمة السياسية والإعلامية: أُجبرت كثير من النساء – تحت الشدة الاقتصادية واختفاء المعيل بسبب الاعتقال أو التجنيد الإجباري – على العمل في المؤسسات المدنية التابعة لـ”قسد”، لكن هذا التواجد كَلّفَهنَّ وصماً مجتمعياً، واستغلالاً إعلامياً كصور استعراضية في مقابلات تلفزيونية، ليواجهن لاحقاً الرفض، ويسقطن في فخ الإقصاء المزدوج والحرمان من العمل.

داخل المدينة (الناجيات والطبقة المثقفة):

​الناجيات ومصابات الحرب: تخوض الناجيات من الاعتقال والمصابات بذوي الإعاقة معركة “رفض الأقارب والأزواج”، إلى جانب ثقل رعاية الأطفال والأسرة.

المثقفات والموظفات: يُواجهن وصمة التخوين واتهامات الانتماء لـ “فلول النظام السابق”، مما دفع ببعضهن للنزوع إلى العزلة والانكفاء في المنازل خوفاً من الانتقام.

كما أن التضييق الموروث والخوف الساكن في النفوس أفقدهن القدرة على تحويل الشهادات الأكاديمية إلى تجارب عمل ونشاط سياسي حقيقي.

​العائدات من الاغتراب: تصطدم العائدات بعد سنوات طويلة بواقع متهالك خدماتياً واقتصادياً، إلى جانب فجوة قيمية واجتماعية حالت دون اندماج أطفالهن، وسببت شرخاً في نسيجهن العائلي بعد سنوات الفراق.

من التهميش الميداني إلى الإقصاء السيادي

​رغم هذه التحولات العميقة ورغم التفاؤل الذي أبداه كادر واسع من النساء تجاه مرحلة الإدارة الجديدة والتغيير السياسي للوصول إلى الإنصاف، إلا أن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

​فقد بقيت أشكال التمثيل السياسي للمرأة الفراتية شكليّة وضعيفة، وباءت محاولات الوصول الفعلي إلى البرلمان السوري والمحافل الوطنية السياسية بالتحجيم أو الفشل.

استمر التعامل مع قضايا المرأة كملف هامشي يُستدعى فقط لإكمال النصاب أو كواجهة إعلامية، دون منحها القوة الحقيقية وصوت القرار الشجاع لتغيير واقعها، لتظل المرآة الفراتية بين فكي تهميش المجتمع وتهشيم الصراعات السياسية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني