
مملكة أوغاريت.. نافذة سورية على أقدم حضارات البحر المتوسط
تقع مدينة أوغاريت الأثرية على شمال اللاذقية على بعد نحو 15 كيلومترًا، يقف تل رأس شمرا شاهدًا على واحدة من أهم الممالك التي صنعت حضورًا حضاريًا لافتًا في الشرق الأدنى القديم: مملكة أوغاريت. تشير التنقيبات الأثرية التي بدأت عام 1929 إلى أن الموقع شهد استيطانًا متواصلًا منذ العصور الحجرية وحتى سقوط المملكة عام 1200 ق.م على يد شعوب البحر، كما ورد في الوثيقة: «تبين استيطان هذا المكان منذ العصور الحجرية وبشكل مستمر حتى سقوطها عام 1200 ق.م». موقع بحري صنع حضارة امتلكت أوغاريت موقعًا استراتيجيًا على ساحل المتوسط، ما جعلها نافذة تجارية وثقافية على مصر والحثيين وقبرص وآسيا الصغرى. وقد ورد في الملف أن المدينة كانت مركزًا للمبادلات التجارية، وأن مجتمعها امتد ليشمل أكثر من 150 قرية، ليصل عدد سكان المملكة إلى ما بين 40 و60 ألف نسمة.
الأبجدية الأوغاريتية… ثورة معرفية
قدّمت أوغاريت للعالم أقدم أبجدية مكتوبة في التاريخ، تتألف من ثلاثين حرفًا مسماريًا، وقد اختصرت – كما ورد في الوثيقة – «الإشارات المسمارية من600 إشارة إلى ثلاثين حرفًا». هذا الابتكار جعل الكتابة أكثر سهولة ودقة، وأسهم في تطوير أنظمة الكتابة في حضارات لاحقة. كما اكتُشفت في المدينة مكتبات عدّة تضم نصوصًا دينية وتجارية ومعاجم لغوية، إضافة إلى مقطع من ملحمة جلجامش.
إنجازات ثقافية وموسيقية
اكتُشفت في أوغاريت أقدم قطعة موسيقية مدوّنة في العالم، تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، أي أنها سبقت فيثاغورس بألف سنة كاملة، حيث اكتشفت عام 1950 وقام بفك رموزها الكاتب “ريتشارد دمبريل” صاحب كتاب “آثار علم الموسيقى في الشرق الأدنى القديم” الذي أكَّد أن أوغاريت هي المؤسس الحقيقي للموسيقى الغربية، وهي سبقٌ تاريخي يؤكد عمق الحياة الثقافية في المملكة.
الحياة في أوغاريت
تكشف الوثيقة أن المدينة كانت «حضارية ومخططة، وتضم قصورًا ومعابد وأبنية عامة»، وأنها تمتعت ببنية اجتماعية واضحة تبدأ بالملك الذي كان الحاكم السياسي والكاهن الأكبر، يليه النبلاء والكهنة والموظفون والتجار والصناعة والمزارعون.
الاكتشاف والدمار
بدأ اكتشاف أوغاريت عام 1928 عندما عثر فلاح سوري على الموقع صدفة بحجارة منحوتة ضخمة تبين أنها سقف لمدفن أثري عائلي وصل خبر هذ الاكتشاف إلى السلطات في اللاذقية، لتبدأ بعدها بعثة فرنسية بالتنقيب المنهجي بإشراف الباحث الفرنسي كلود شيفر وقد أظهرت نتائج التنقيب الأثري في الموقع واحدة من أشهر الممالك السورية في تاريخ الشرق القديم. أما دمارها فجاء في نهاية العصر البرونزي، حوالي 1180 ق.م، ضمن اضطرابات سياسية واسعة في شرق المتوسط.
القصر الملكي والآثار المعمارية
ويعتبر القصر الملكي من أهم منشآت المدينة المكتشفة حيث يمتد على تسعة آلاف متر مربع بصالات استقبال وساحات وأجنحة ملكية في الطوابق العليا في حين أظهر التنقيب شرقي القصر الملكي أحياء ومنازل سكنية عديدة مع مدافنها العائلية تحت الأرض. وتقع في أعلى التل في الجهة الشمالية بقايا معبدي أوغاريت: معبد بعل ومعبد دجن.
الآلهة والرموز الدينية
تضم النصوص الأوغاريتية أسماء آلهة عديدة مثل بعل وعنات وداغان وموت، وهي تعكس منظومة دينية متكاملة ارتبطت بالخصوبة والزراعة والبحر والمطر.
خلاصة أوغاريت ليست مجرد موقع أثري، بل جذور حضارية سورية تكشف عن مجتمع متقدم في التجارة والكتابة والموسيقى والدين. وكما جاء في الوثيقة: «إن اكتشاف مملكة أوغاريت يعد نافذة واسعة للاطلاع على أهم جذور الحضارة السورية العريقة». إنها قصة مدينة صنعت أبجدية العالم، وما زالت آثارها تروي حكاية الإنسان القديم وقدرته على الإبداع رغم بساطة أدواته.