ما عُرِف بأيلول الأسود هو مستنقع قذر

0 22

لقد وضعنا عبارة «أيلول الأسود» لأنها شاعت واشتهرت كدلالة عن أزمة ومعترك صاخب اعترض مسار منظمة التحرير الفلسطينية، وقد اقترن هذا المدلول «أيلول الأسود» بمفاهيم واعتقادات خاطئة ومضللة ومكذوبة.

فما هي الحقيقة المستخلصة وبالأدلة؟؟

الجواب الممكن:

تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في الكويت، بمبادرة من تجمع شباب فلسطينيين، وبرز منهم خلية تنفيذية وسياسية مؤلفة من تسعة ناشطين فلسطينيين، من بينهم أحمد الشقيري وياسر عرفات.

كانت كل مراحل التأسيس تحت إشراف وتنسيق الجامعة العربية ودولها، وكان تمويل ذلك من دول الخليج، وعلى رأسها الكويت.

وبعد نزاعات وتجاذبات ومناورات وتملّص بشأن استضافة وحدات منظمة التحرير واستيعاب نشاطها ونضالها ضد إسرائيل واحتلالها، بعد ذلك قبل الأردن استضافة المنظمة بكامل وحداتها ودوائرها وعناصرها داخل الأراضي الأردنية.

وهنا، فرغم كل ما ترسّب وتراكم لدينا من أكاذيب حول «رجعية وعمالة وخيانة الأنظمة الملكية، وعلى رأسها النظام الأردني»، هذه الأكاذيب التي تم بثها وفرضها من جانب الأنظمة الدكتاتورية (التي تسمي نفسها جماهيرية)، إلا أنه، رغم ذلك، فإنه بالمنطق والاستدلال بقرائن الواقع نستنتج أنه قد تم قبول الأردن بالاستضافة بعد الرفض القاطع والحازم من جانب باقي الدول المعنية أساساً، بحكم موقعها ومحاذاتها لفلسطين المحتلة، وعلى رأس هذه الدول هي مصر جمال عبد الناصر -البطل المفدّى، حامي العرب ورائد وباعث وصائن القومية العربية-، ويأتي بعده عصابات البعث في دمشق، أبطال المقاومة والممانعة.

وبعد استقرار منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن، بدأت نضالها الفعال، ولقد كان من أبرز وألمع النشاطات هو قيام فصائل المقاومة الفلسطينية بالاشتباك مع القوات الإسرائيلية على خطوط الهدنة بعد حرب حزيران، وذلك في موقع قرية تسمى «الكرامة»، وذلك في 21 آذار عام 1968، وقد تطور الاشتباك حتى أصبح معركة طويلة الوقت وواسعة النطاق والميدان، وقد اشتركت فيها قوات الجيش الأردني، وكانت النتيجة هي هزيمة للقوات الإسرائيلية وانتصار واضح لصالح فصائل المقاومة الفلسطينية وقطعات وقوات الجيش الأردني، نتج عنها تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية وفي العتاد، وكذلك انتزاع مساحات كانت محتلة.

وإن هذه المعركة (المعروفة باسم معركة الكرامة) لها أهمية كبيرة ومتميزة، وذلك لأنها أتت بعد أقل من سنة واحدة من حرب حزيران 1967 وما ترافق معها من إحباط للجيوش العربية ومعنوياتها، وبنفس الوقت فهي دليل دامغ وقاطع على أن منظمة التحرير في الأردن قد استقرت وتموضعت وتحركت ونشطت بشكل سليم ومفيد ومخلص للقضية.

إن هذا الأمر، وهو النشاط الحقيقي الفعّال والمخلص لمنظمة التحرير، لم يعجب الفاعلين ولا المنفعلين، ولم يرقَ لهم، بل أزعجهم واستنفرهم.

فباشرت أجهزة المخابرات الفاعلة، ومعها الأجهزة الجماهيرية المنفعلة والعميلة، نعم، بدأت الدول العربية بمحاولة قلب الطاولة، وذلك بالتخريب وخلط الأوراق عن طريق تشغيل الأدوات الرخيصة، وقد بدأ هذا العمل بالاختراق والحصول على أدق المعلومات وأعلاها سرّية، ثم التصرف بها، وكذلك تحريض وتشغيل وتوظيف أعداد من العناصر والقادة الميدانيين وبعض القادة الأمراء لتنفيذ ومواصلة تنفيذ أعمال إشاعة الفوضى والبلبلة والقيام بالتخريب والتمرد داخل الأردن وداخل المدن، حتى وصل الأمر للقيام بالاعتداء على قطعات الجيش الأردني.

وقد واصل الأردن والملك الحسين اتصالاته مع القادة العرب ومع جمال عبد الناصر بالذات، يطلب التدخل، ثم صارح وطالب بمنع تدخلهم والتوقف عن هذه المسلكيات المستفزة، ولكن دون جدوى.

بل لقد ازدادت الممارسات أذىً وتأثيراً وتراكمت، حتى اضطر الجيش الأردني للتدخل العسكري واستخدام القوة، وباختصار: لقد نتج عن ذلك العمل العسكري، وهو في أيلول عام 1970، أنه نتج عنه إخراج منظمة التحرير من الأردن.

ولكن هنا يتأكد الدليل الذي سقناه وأشرنا إليه، حيث إنه بعد أن تم إخراجهم من الأردن بحرب ودماء، وتم التباكي الكاذب والندب المخادع من جانب الدول العربية، فلماذا لم يتم استقبال منظمة التحرير الفلسطينية من قبل تلك الدول المتباكية، وأولها نظام البعث المجاور للأردن، أو مصر بقيادة فارس القومية العربية عبد الناصر؟؟

لماذا؟ انظروا في الأمر وتبصروا وفكروا، ثم استنتجوا الحقيقة.

وإذا أردنا أن نكمل التحقيق واستخلاص الأدلة، نقول: لقد تقرر أن يتم استقبال واستيعاب منظمة التحرير في الحلقة الأضعف، وهي المتمثلة بلبنان!؟ وفي الحقيقة، لماذا اختار اللاعبون الكبار ومعاونوهم الإقليميون لبنان لهذا الأمر المستطير التأثير والمتشابك التداعيات؟ فإن هذا التساؤل يحتاج إلى بحث مستقل ومستطيل.

نتابع:

بعد استقرار المنظمة في لبنان ومباشرتها لنضالها ونشاطها، فإن هذا أيضاً أزعج القوى اللاعبة واستنفرها، فماذا فعلت وكيف تصرفت؟؟

لقد تم تكرار ما تم فعله في الأردن من الاختراق وتشغيل الأدوات لحرف المنظمة عن هدفها وإشغالها بنشاطات سلبية داخل لبنان، ولكن ذلك لم يجدِ نفعاً، فتم إقحام فصائل المنظمة في صراعات لبنان الطائفية، وتم تطوير إقحامها لإيجاد مبررات وذرائع، وأما بعدها فقد تم تكليف النظام السوري وزعيمه حافظ الأسد بدخول لبنان عام 1975، وكان الهدف هو مشاغلة المنظمة وإضعافها، ثم تشتيت أهدافها ومساعيها، ثم شيطنتها وتلطيخ صورتها، وقد قام حافظ الأسد بتنفيذ هذه المهمة بشكل تام.

ولكن بعد صناعة إيران الملالي وخطة وسيناريو تشغيلها، فقد تقرر إخراج المنظمة كلياً ونهائياً من لبنان، وذلك لكي يتم استبدالها بوكلاء إيران الملالي الذين تم تسميتهم فيما بعد بحزب الله.

وفعلاً، فقد تآمر حافظ الأسد مع إسرائيل واتفقوا وبإشراف اللاعبين الكبار، وقد تمت مسرحية حرب عام 1982، تم خلالها احتلال جنوب لبنان وحصار بيروت وتدمير بيروت الغربية، وقد خسرت سورية آلاف الشهداء والجرحى، وتم تدمير جزء كبير من العتاد العسكري، وقد تم في نهاية المسرحية إخراج أو طرد منظمة التحرير الفلسطينية وإرسالها إلى تونس.

أما في لبنان، فقد واصل حافظ الأسد وحلف إيران مسرحية المقاومة والممانعة.

وبعد هذا الاستعراض الموثق، نرى بأن ما أسميناه وتعارفنا عليه بمصطلح «أيلول الأسود» هو مجرد بقعة في سبخة أو (جمّاقة) قذرة وموحلة، وهي أنظمة دكتاتورية مخادعة هدفها الوحيد هو كرسي السلطة كيفما اتفق وبأي ثمن كان.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني