حل قضية فلسطين يبدأ بتفكيك الفكر الصهيوني

0 21

يرى د. عزمي بشارة أن حل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يمر عبر معالجة نتائج الصراع وحدها، بل يحتاج إلى مواجهة البنية الفكرية التي قامت عليها الدولة الإسرائيلية. فالمشكلة، في هذا التصور، ليست في السياسات الإسرائيلية المتغيرة أو في حكومات بعينها، وإنما في أيديولوجيا صاغت علاقة اليهودي بالأرض والسكان الفلسطينيين على أساس التمييز، وأنتجت نظاماً يقوم على الفصل وعدم المساواة.

لهذا السبب، فإن تفكيك الفكر الصهيوني العنصري يمثل جزءاً أساسياً من أي حل عادل للقضية الفلسطينية. فحين تقوم دولة على تصور يمنح جماعة حقاً أصلياً في الأرض والحقوق، ويحرم جماعة أخرى منها بسبب هويتها، يصبح التمييز جزءاً من بنية النظام نفسه، وليس مجرد انحراف في تطبيقه.

ويكمن التحدي في أن هذا الفكر لم يبق محصوراً في المؤسسات السياسية والقوانين، وإنما تحول مع الوقت إلى منظومة من الأفكار التي تؤثر في نظرة قطاعات من المجتمع الإسرائيلي إلى الفلسطينيين. لذلك، فإن مواجهة الصهيونية بوصفها أيديولوجيا تقوم على التمييز لا تعني استهداف اليهود بوصفهم يهوداً، ولا تحميل الإنسان اليهودي العادي مسؤولية سياسات الدولة الإسرائيلية. على العكس، الفصل بين اليهودية والصهيونية، وبين المجتمع اليهودي والسياسات التي تمارس باسمه، شرط أساسي لبناء خطاب قادر على مواجهة العنصرية من دون تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني أو عرقي.

تفكيك الأيديولوجيا

وهنا تبرز أهمية مناوئة هذه الأيديولوجيا على المستوى السياسي والفكري، لا الاكتفاء بإدانة نتائجها. فرفض الاحتلال والاستيطان والتمييز يجب أن يرتبط برفض الأساس الفكري الذي يبررها. عندما يصبح التفوق القومي أو الديني مبرراً للسيطرة على شعب آخر، فإن المشكلة تتجاوز قراراً سياسياً يمكن تغييره بقرار آخر، وتصبح مرتبطة بتصور كامل للحقوق والمواطنة والانتماء.

لكن تفكيك هذه البنية لا يتحقق بالشعارات وحدها. يحتاج إلى طرح بديل يقوم على المساواة في الحقوق، ورفض التمييز على أساس القومية أو الدين، والاعتراف بالفلسطيني باعتباره صاحب حقوق كاملة، لا مجرد طرف يجب التفاوض معه على جزء من حقوقه. كما يحتاج إلى خطاب يوضح أن إنهاء الظلم الواقع على الفلسطينيين لا يعني ظلماً جديداً لليهود، وأن تحقيق العدالة لا يتطلب إقصاء جماعة لحساب أخرى.

المسألة هنا تتعلق بطبيعة الحل نفسه. فإذا بقيت الفكرة التي تبرر التمييز قائمة، فإن أي تسوية سياسية ستظل معرضة لإعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة. أما إذا جرى الانتقال إلى تصور يقوم على المساواة والحقوق، فإن السياسة تصبح قادرة على بناء حل يتجاوز منطق الغلبة إلى منطق المشاركة.

ومن هذه الزاوية، فإن مواجهة الفكر الصهيوني العنصري لا تعني معاداة اليهود، بل تعني بالضبط منع تحويل اليهودية إلى غطاء لأيديولوجيا سياسية تبرر السيطرة والتمييز. وهذه نقطة ضرورية في الخطاب الفلسطيني والعربي، لأنها تفصل بين نقد أيديولوجيا وسياسات دولة، وبين استهداف جماعة دينية أو قومية.

الحل يبدأ بالاعتراف

حل القضية الفلسطينية يحتاج، في جوهره، إلى تغيير الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لا يمكن بناء سلام دائم فوق نظام يميز بين البشر على أساس هويتهم. العدالة تبدأ عندما يصبح الحق في الأرض والأمن والحرية والكرامة حقاً للإنسان، لا امتيازاً تمنحه القومية أو الدين.

لذلك، فإن تفكيك الفكر الصهيوني العنصري ليس هدفاً فكرياً منفصلاً عن الحل السياسي، وإنما أحد شروطه. وكلما أمكن فصل هذا الفكر عن الإنسان اليهودي العادي، وطرح بديل يقوم على المساواة والحقوق، أصبح من الممكن التفكير في حل للقضية الفلسطينية لا يعيد إنتاج الصراع، بل يضع أساساً لعلاقة جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني