أرابيكا.. حين تصبح المعرفة العربية مشروعاً للمستقبل

0 12

في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، ارتبطت الموسوعات والمعاجم الكبرى بمحاولات تأسيس منظومة معرفية مشتركة تتجاوز حدود الكتب والأفراد، وتحفظ للأجيال خلاصة ما راكمه العقل العربي من علوم وآداب وتاريخ وفكر. وفي هذا السياق، يبرز مشروع «أرابيكا»، الذي طرح فكرته ويقوده المفكر العربي عزمي بشارة، بوصفه مبادرة طموحة إلى إنشاء مشروع موسوعي عربي حديث يستفيد من إمكانات العصر الرقمي، ويعيد تنظيم المعرفة العربية وإتاحتها على نطاق أوسع للأجيال الحالية والمقبلة.

ويأتي مشروع «أرابيكا» في سياق يختلف جذرياً عن السياق الذي نشأت فيه الموسوعات التقليدية؛ فلم تعد المعرفة حبيسة الورق، ولم يعد الوصول إليها مرتبطاً برفوف المكتبات، بل أصبحت متاحة بضغطة زر، وقابلة للتحديث والتوسع بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ المشاريع الموسوعية.

ومن هنا تتضح أهمية «أرابيكا»، لا بوصفها مجرد موسوعة عربية رقمية، بل باعتبارها محاولة لتأسيس ذاكرة معرفية عربية مشتركة في العصر الرقمي؛ ذاكرة تجمع ما تفرق من معلومات في مجالات التاريخ والجغرافيا والسياسة والعلوم والفنون، إلى جانب سير الشخصيات وتوثيق الأحداث، وتقدمها إلى القارئ العربي بلغة عربية قادرة على مواكبة متطلبات العصر.

غير أن قيمة أي مشروع موسوعي لا تُقاس بحجم المعلومات التي يجمعها فحسب، بل بقدرته على إنتاج معرفة موثوقة ومتوازنة، قابلة للمراجعة والتحديث، ومفتوحة أمام أجيال جديدة من الباحثين والمحررين. فالموسوعة التي لا تتطور تتحول، بمرور الوقت، إلى أرشيف، في حين تتطلب المعرفة الحية مراجعة مستمرة، وأطراً مؤسسية تكفل استقلالها العلمي وتضمن استدامتها.

وهنا تبرز أسئلة تتجاوز «أرابيكا» نفسها: كيف يمكن لمشروع معرفي بهذا الحجم أن يحافظ على استمراريته لعقود؟ وهل يكفي التمويل الذي يطلق المشروع ويدفعه في مراحله الأولى، أم أن المشاريع الموسوعية الكبرى تحتاج إلى نموذج مؤسسي واقتصادي يجعل استمرارها أقل ارتباطاً بتغير مصادر التمويل أو أولويات الجهات الداعمة؟

ربما تكون هذه من أصعب الأسئلة التي تواجه أي مشروع معرفي طويل الأمد. فالموسوعة ليست كتاباً ينتهي بمجرد اكتمال صفحاته، وإنما كيان معرفي يحتاج إلى محررين وباحثين ومراجعين وتقنيات وبنية رقمية وتحديث دائم. وكلما اتسع المشروع، اتسعت معه كلفة الحفاظ على دقته وحيويته واستقلاله.

ثم إن «أرابيكا» تولد في زمن يشهد تحولاً قد يكون أكثر جذرية من التحول الذي أحدثه الإنترنت نفسه: صعود الذكاء الاصطناعي.

فالإنسان لم يعد يبحث عن المعلومة بالطريقة التقليدية فقط؛ إذ يستطيع اليوم أن يطرح سؤالاً على نظام ذكي ويحصل خلال ثوانٍ على إجابة مركبة تلخص له كميات هائلة من النصوص والمصادر. وإذا استمر التطور بالسرعة الحالية، فقد يصبح الوصول إلى المعلومة أقل ارتباطاً بالموسوعات والمواقع وقواعد البيانات بالشكل الذي نعرفه اليوم.

فهل يمكن أن يأتي يوم تبدو فيه فكرة الموسوعة التقليدية متجاوزة تقنياً؟ أم أن التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي سيجعل الحاجة إلى الموسوعات أكثر أهمية، ولكن بوظيفة مختلفة؟

قد يكون الجواب في طبيعة المعرفة نفسها. فالذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة المعلومات وإعادة تركيبها بسرعة هائلة، لكنه يحتاج إلى مصادر موثوقة يستند إليها. وكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على إنتاج الإجابات، أصبحت مسألة مصدر المعلومة وصحتها وسياقها أكثر أهمية، لا أقل.

ومن هنا يمكن أن يكون مستقبل «أرابيكا» أوسع من مجرد تقديم المعرفة للقارئ. فقد تصبح قاعدة معرفية عربية يمكن للباحث والطالب والصحفي، وكذلك الأنظمة الذكية، الرجوع إليها والاستناد إلى محتواها. وفي هذه الحالة، لا تكون الموسوعة في مواجهة الذكاء الاصطناعي، بل تصبح جزءاً من البنية المعرفية التي يعتمد عليها.

لكن ذلك يفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: من يكتب المعرفة العربية؟ ومن يحدد ما يستحق أن يُوثق؟ وكيف تُعرض القضايا    والسياسية والثقافية المختلف عليها؟ فالموسوعة التي تريد أن تصبح مرجعاً لا يكفيها أن تكون واسعة؛ عليها أن تكون مستقلة، دقيقة، قادرة على استيعاب التعدد والاختلاف، وألا تتحول إلى انعكاس لرؤية سياسية أو أيديولوجية واحدة.

وربما هنا تكمن قيمة المشروع الحقيقية. فالعرب لا يعانون فقط من نقص المعلومات، وإنما من تشتت مصادرها، وتفاوت مستويات توثيقها، وغياب مشاريع معرفية عربية واسعة قادرة على جمعها وتنظيمها وتقديمها ضمن إطار علمي حديث.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: هل ستبقى الموسوعات في عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سيمتلك العرب المعرفة التي يريدون أن تُبنى عليها صورة تاريخهم وثقافتهم ومجتمعاتهم في المستقبل؟

ومن هذه الزاوية، تصبح «أرابيكا» أكثر من موسوعة. إنها محاولة للإجابة عن سؤال حضاري أعمق: هل سنظل مستهلكين للمعرفة التي ينتجها الآخرون، أم نمتلك نحن جزءاً من البنية التي تُصنع فيها معرفة المستقبل؟

إن نجاح المشروع لن يقاس فقط بعدد المقالات والمواد التي يضمها، بل بقدرته على التحول من مبادرة يقودها أفراد إلى مؤسسة معرفية عربية مستدامة، قادرة على البقاء والتطور مهما تغيرت الظروف أو مصادر التمويل أو أدوات التكنولوجيا.

فقد تتغير الموسوعة، وربما لا تبقى في المستقبل موقعاً إلكترونياً بالشكل الذي نعرفه اليوم. لكن الحاجة إلى المعرفة الموثوقة لن تنتهي. وربما تكون المعركة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي ليست على امتلاك المعلومات، بل على امتلاك المصادر التي تمنح المعلومات معناها وسياقها ومصداقيتها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني