محاكمة بشار وماهر الأسد غيابياً.. اختبار جديد لعدالة سوريا الانتقالية

0 11

(إجراءات دمشق تفتح مساراً للمساءلة، لكن قيمتها القانونية ستتوقف على الإخطار والدفاع وإمكان إعادة المحاكمة وضمانات المحاكمة العادلة)

لم تعد محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات في سوريا سؤالاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. لكن الانتقال من الإفلات من العقاب إلى المساءلة يضع القضاء السوري أمام اختبار لا يقل أهمية عن مجرد فتح الملفات: كيف يمكن تحقيق العدالة من دون التخلي عن قواعد المحاكمة العادلة؟

هذا السؤال يبرز بوضوح في الإجراءات الغيابية بحق بشار الأسد وماهر الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، والتي بدأت في 26 نيسان/أبريل 2026، بالتوازي مع إجراءات قضائية في فرنسا.

وفي تقريرها الصادر في 8 أيلول/سبتمبر، تطرح الشبكة السورية لحقوق الإنسان إطاراً من أربعة ضمانات ترى أنه ينبغي أن يحكم أي محاكمة غيابية: الإخطار الفعّال، والتأكد من التنازل عن الحق في الحضور أو ثبوت التهرّب بعد إخطار كافٍ، والتمثيل القانوني الفعّال، وإتاحة إعادة المحاكمة أو مراجعة موضوع الدعوى عند وجود خلل في الإخطار أو التنازل.

ولا تنظر الشبكة إلى الغياب في حالة الأسد بوصفه مجرد عدم حضور جلسة قضائية، بل تقترح مفهوماً تسميه «الغياب البنيوي»، عندما يتعذر بصورة مستمرة الوصول إلى المتهم، وتتضاءل عملياً إمكانية إعادة محاكمته ضمن الإطار الزمني للإجراءات.

بشار الأسد.. غياب تتجاوز أسبابه قاعة المحكمة:

بحسب التقرير، تندرج حالة بشار الأسد بوضوح ضمن هذا الإطار، في ضوء وجوده في روسيا بعد مغادرته سوريا إثر سقوط النظام السابق.

وترى الشبكة أن افتراض إمكان الوصول إليه يصطدم بعامل سياسي وقانوني رئيسي، هو تمتعه بالحماية الروسية، في حين أن روسيا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

لكن القانون السوري، وفق التقرير، يوفر في المقابل آلية لإعادة المحاكمة. إذ تنظم المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إجراءات المحاكمة الغيابية، بينما تنص المادتان 328 و329 على إلغاء الحكم الغيابي عند تسليم المتهم نفسه أو إلقاء القبض عليه، وإعادة محاكمته بحضوره.

وهنا يظهر التناقض الأساسي: إمكان إعادة المحاكمة قائم من الناحية القانونية، لكن تحقيقه عملياً قد يبقى بعيداً ما دام المتهم خارج متناول السلطات السورية.

وترى الشبكة أن هذه الحقيقة لا تعفي المحكمة من تطبيق ضمانات المحاكمة العادلة، بل تجعل الالتزام بها أكثر أهمية للحفاظ على قيمة الإجراءات وصدقيتها.

ماهر الأسد.. غياب لم يُحسم مكانه:

تبدو حالة ماهر الأسد مختلفة جزئياً.

فالتقرير يصفها بأنها شكل قريب ومؤقت من «الغياب البنيوي»، لأن مكان وجوده الحالي لا يبدو محسوماً وفق معيار إثبات كافٍ، رغم تداول تقارير عن وجوده في العراق أو روسيا.

وتشير الشبكة إلى أن الإجراءات الفرنسية تستهدف ماهر الأسد أيضاً على خلفية اتهامات تتعلق بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية ودوما في آب/أغسطس 2013.

لكن هذه الاتهامات، شأنها شأن الاتهامات الموجهة إلى بشار الأسد، تبقى ادعاءات تحتاج إلى إثبات قضائي وفق معايير المحاكمة العادلة.

وهذه النقطة ليست تفصيلاً إجرائياً. فالمساءلة عن الجرائم الأشد خطورة لا تبرر تجاوز حقوق المتهم، بل إن شرعية المحاكمة نفسها تعتمد على احترام تلك الحقوق.

ماذا فعلت محكمة الجنايات الرابعة؟

في جلسة 26 نيسان/أبريل 2026، طبقت المحكمة الإجراءات المنصوص عليها في المادة 322، بحسب تقرير الشبكة، فتلت أسماء المتهمين الغائبين واتخذت قرارات تتعلق بمواعيد التبليغ.

وفي جلسة 10 أيار/مايو، قررت المحكمة أن مذكرات الدعوة أُبلغت أصولاً في آخر محل إقامة معروف للمتهمين، وأثبتت عدم حضورهما وأعلنتهما فارّين، واتخذت إجراءات تتعلق بأموالهما.

لكن الشبكة تحدد فجوتين في السجل العلني المتاح.

الأولى تتعلق بعدم وجود سجل شامل يوضح بالتفصيل وسائل إخطار كل متهم، ومحاولات الإخطار وقنواتها ونتائجها.

أما الثانية فتتمثل، بحسب التقرير، في عدم وجود ما يؤكد ضمن السجل العلني أن المحكمة عينت محامياً مستقلاً لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختبار بالنسبة للقضاء السوري: المحاكمة الغيابية لا تعني غياب حق الدفاع.

لماذا تصبح المادة 14 مهمة؟

يستند التقرير أساساً إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه سوريا عام 1969، وإلى التعليق العام رقم 32 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان.

وتشمل هذه المنظومة ضمانات أساسية، من بينها حق المتهم في معرفة التهم، وافتراض البراءة، والحق في الدفاع، والمساواة أمام القضاء، وعلنية المحاكمة وفق الحدود التي يسمح بها القانون.

وفي سياق النزاع المسلح، يستند الإطار الذي تعرضه الشبكة أيضاً إلى المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي، بما في ذلك قواعد مسؤولية القادة والرؤساء.

أما الاجتهادات المقارنة للمحكمة الخاصة بلبنان والمحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فتستخدمها الشبكة كمراجع استرشادية لتفسير المعايير، إلى جانب القانون الواجب التطبيق.

فرنسا.. مسار موازٍ يزيد أهمية التنسيق:

لا تقتصر القضية على دمشق.

ففي فرنسا، ألغت محكمة النقض في 25 تموز/يوليو 2025 مذكرة التوقيف الصادرة بحق بشار الأسد في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، على أساس تمتعه بالحصانة الشخصية بصفته رئيساً للدولة وقت صدور المذكرة، وفق ما يورده التقرير.

وفي اليوم نفسه، أصدرت المحكمة حكماً في قضية المسؤول السوري السابق أديب ميالة، خلصت فيه إلى أن الحصانة الوظيفية لا تحول دون ملاحقة المحاكم الفرنسية لجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مع مراعاة القواعد التعاهدية ذات الصلة.

ويشير التقرير كذلك إلى صدور مذكرات توقيف فرنسية لاحقة مرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية وهجوم الغوطة عام 2013، وبمقتل المواطن الفرنسي السوري صلاح أبو نبوت في درعا عام 2017.

ويجعل تعدد المسارات القضائية التعاون بين السلطات، وحماية الأدلة والشهود، وتبادل المساعدة القانونية، قضايا مركزية في مستقبل هذه الملفات.

العدالة لا تُقاس فقط بالإدانة:

تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الضمانات الأربع ينبغي أن تطبق كاملة على الإجراءات الغيابية، وأن أي حكم يصدر ينبغي أن يوضح بصورة صريحة كيفية التعامل مع ظروف الغياب، والضمانات التي طُبقت، والطبيعة الإجرائية للحكم، وإمكان إعادة فتح المحاكمة وفق القانون السوري.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في القضايا التي تستند إلى مسؤولية القيادة. فمجرد شغل منصب عسكري أو سياسي لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية؛ بل ينبغي تحديد عناصر السلطة والسيطرة الفعليتين، والعلم، والتدابير التي كان يتعين اتخاذها لمنع الجرائم أو قمعها، مع الاستناد إلى أدلة خاصة بكل حالة.

كما تدعو الشبكة إلى تطوير التشريع السوري بما يعرّف بصورة صريحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وأشكال المسؤولية التي يمكن للمحاكم الوطنية الاستناد إليها، بما يتوافق مع التزامات سوريا الدولية والإعلان الدستوري الانتقالي.

وتطالب أيضاً بأن تتعامل آليات الأمم المتحدة والآلية الدولية المحايدة والمستقلة مع المواد الناتجة عن الإجراءات السورية وفق معاييرها الخاصة، وألا تعتبر أحكاماً قابلة لإعادة الفتح أو الإلغاء بموجب القانون السوري أحكاماً جنائية نهائية تحول دون مواصلة العمل التحقيقي.

الاختبار الأكبر:

تضع محاكمة بشار وماهر الأسد القضاء السوري أمام معادلة دقيقة: مساءلة شخصيات تتعلق بها اتهامات بالغة الخطورة، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تتحول الرغبة المشروعة في العدالة إلى إجراءات يمكن الطعن في نزاهتها.

فالعدالة الانتقالية لا تكتسب شرعيتها من هوية المتهمين، ولا من شدة الجرائم المنسوبة إليهم، وإنما من قدرة المؤسسات القضائية على إثبات المسؤولية بأدلة قابلة للفحص، واحترام حقوق الدفاع، وضمان استقلال القضاء، وإصدار أحكام يمكن الدفاع عن نزاهتها أمام السوريين والمجتمع الدولي.

وإذا كانت سوريا تريد أن تطوي صفحة عقود من الإفلات من العقاب، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط: هل ستُدان الشخصيات التي اتُّهمت بارتكاب الجرائم؟

بل: هل تستطيع المحاكم السورية أن تبني، حتى في مواجهة أصعب المتهمين، نموذجاً للعدالة يكون قوياً بما يكفي لمحاسبة المسؤولين، وعادلاً بما يكفي ليصمد أمام القانون والتاريخ؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني