
الوطنية والمواطنة والمواطن والوطن
عنوان واسع بدلالاته، متشعب بمفاهيمه، لأنه هو كذلك فعلاً، ولقد جاءت كلمة الوطن في الآخر، وذلك لأنه لا وطن فعلاً إلا إذا تحقق وجود الذي ورد ذكره قبله.
وفي الواقع، إن سورية الجديدة وجدت نفسها في أزمة وطنية! كيف وماذا يعني ذلك؟
أولاً: إن نظام البعث والنظام الطائفي الدكتاتوري الوظيفي المخلوع، والذي سيطر على حكم سورية أكثر من ستين سنة، إن هذا النظام، عدا عن وعلاوة على الظلم والفساد والنهب، وعدا عن الجرائم والحرب والقتل والاعتقال والتدمير والتهجير والتعفيش، إنه قد أكمل جرائمه تلك بما هو لا يقل إجراماً وفظاعة، ومن أبرز هذه الفظائع أنه قد شوّه وخرّب المفهوم السامي للوطنية، واستبدله بشعارات كاذبة، وحقنه بمقولات ممجوجة ومقززة، حتى حوّل الوطنية إلى مضمون مكروه وتهمة مخجلة، أو ربما صفة مضحكة، أما المواطنة فقد أصبحت تعبيراً مهجوراً وممارسة غريبة ولا وجود لها، والمواطن جعله فرداً أو مجرد رقم مأزوم مسحوق ومستعبَد، أما الوطن فهو مزرعة خاصة لا أكثر.
ولكن، ولكن، وبعد هذه المقدمة المحبطة، فإننا اليوم في سورية الجديدة وأمام سؤال موضوعي: أين نحن اليوم من الوطنية وما يرتبط بها ويترتب عليها؟ الجواب: إننا نحن الشعب السوري الحقيقي ومحررو سورية، إننا في منتصف ومركز الوطنية، وذلك بدليل الحجم الهائل والاستثنائي للتضحيات، ولكننا في خضمّها، فهي بحر زاخر متلاطم، ونحن نحاول السيطرة والمسير والوصول إلى المكان المطلوب – إنه كلام يبدو إنشائياً، ولكنه منتقىً للتعبير بدقة عن الحالة السورية.
فماذا يتوجب علينا، وكيف نتصرف، وما هي الخيارات؟
انطلاقاً.. علينا الفهم الصحيح لمعنى الوطنية وإفهامها، ولهذه الغاية فسوف نبدأ هنا:
أولاً: من مفهوم الوطن بأنه هو المساحة الجغرافية التي لها خصوصيتها، وهي غالباً البلاد التي قد وُلِدْتَ فيها أو تعود جذورك إليها، وتنتمي إليها وإلى تاريخها وثقافتها، والانتماء أكبر وأعمق من (بطاقة الجنسية)، وهي مادة ذاكرتك وبرنامج شخصيتك، وتربطك بسكانها علاقات وطيدة ومتجذرة، وترتبط معهم بمصير مشترك، فالوطن هو البيت والأسرة والسرير واللباس وعتبة الأمان.
ثانياً: المواطن: إنه إنسان – بوصفه كائناً اجتماعياً – وهو بذاته وبمفرده عضو أساسي، فإذا كان الوطن أسرةً فهو أحد الأبناء، وإذا كان خليطاً كيميائياً فهو عنصر مرتبط لا يحوز أن يتأكسد أو يشذ عن الصيغة، وهو يجب معاملته على هذا الأساس، أي ابناً تحب رعايته.
ثالثاً: الوطنية هي إيمان راسخ في العقل والوجدان بقيمة الوطن، واعتقاد ثابت بكونه هو قلعة الأمان، وفيه راحة النفس وازدهار الحياة ومناط الكرامة، وهي استعداد تامٌّ ودائم للقيام بكل ما يتطلبه الأمر لكي يكون ويظل الوطن حرّاً مستقلاً وقويّاً وسائداً وماجداً ومزدهراً، يعمّه العدل والأمان والرخاء.
رابعاً: وهنا نتوقف عند المواطنة لأنها شرط أساسي لتحقيق وإنجاز كل ما تقدم ذكره، فما هي:
إنها التطبيق العملي للمفهوم الصحيح للحضارة! نعم، إنها جملة القوانين الناظمة والأعراف والثقافة التي تحدد وتنظم علاقة المواطن بالوطن، حيث هناك حقوق للمواطن يجب أن يعيها ويعرفها ويفهمها حق الفهم والتفهم، ولكن قبل ذلك هناك واجبات، وهي أكثر ضرورة وأهمية، لأنه لن تتوفر إمكانية لإعطاء الحقوق وأخذها إلا بعد القيام بالواجبات، وهي:
1- الالتزام التامّ بالقانون، وعدم القيام بأية محاولة للالتفاف والكسب غير المشروع والانتهازية، وانتزاع فرصة من هو أولى وأكثر كفاءة.
2- التزام ومراعاة (الأخلاق الوطنية)، ونقصد بها تفهّم ومراعاة حالة وظروف الوطن، وفهم معطياته وأحداثياته، والتصرف بموجب مقتضياتها.
3- الترفّع والابتعاد النهائي عن التكتّل والتعصّب والطائفية والراديكالية والعشائرية والمناطقية والجهوية، وما يخص الحالة السورية مثل الفصائلية، وكذلك عدم الانحياز أو الانجرار أو التعاطف الساذج مع تيارات فكرية وسياسية ومخابراتية – دون فهم مضمونها وأهدافها – مثل العلمانية (العرجاء) والفيدرالية (البلهاء الخرقاء) والليبرالية (مشوّهة الذوق عديمة الحياء).
4- التصرّف والسلوك بما تفرضه وتستلزمه أهدافنا الوطنية، وهي قوة الوطن واستقراره والعيش المشترك والعدل وتكافؤ الفرص، وهذا يتطلب بالضرورة محبة جميع أفراد وجماعات الشعب، والابتعاد عن الاستعداء أو ما يثير النزاع والأحقاد والاستقطاب.
خامساً: وهي الخاتمة وشرط الشروط والنقطة الحاسمة.
وبالتحديد نقول: لو استعرضنا كل ما ذكرنا ونظرنا فيه، نجده ينقصه شريك فاعل ومبادر، حيث أن المواطنين لا يستطيعون الفهم والتنظيم والتقنين، فهذا يتوقف على إرادة وفعالية الحكومة المتصدرة، فهي مالكة السلطة وصاحبة القرار، حيث يتوجب عليها التالي:
1- وجود إعلام وطني مهني واضح وشفاف، ويبتعد كليّاً عن الخطاب الديماغوجي المضلِّل، ويتضمن استعراض المشاكل وإطلاع الجمهور على الظروف والصعوبات، وإشراك النخب والمبادرين باقتراح الحلول.
2- يجب الاستفادة من أخطاء ودروس الماضي، وتجنب البهلوانية الكاذبة والحديث عن الأبطال الاستثنائيين، وتقزيم الوطن أمام عظمتهم، لأن هذا هو ما يمسخ الوطن ويعيب الوطنية.
3- ترسيخ الأمن والأمان والاستقرار، وفرض القانون وتطبيقه، وتطبيق مبدأ المحاسبة بشكل عقلانيّ فعّال، وتطبيق الديمقراطية بأفضل شكل وأفضل خيار ممكن.