السوريون في ألمانيا: عائلة قطيني.. حين تحوّل اللجوء إلى مشروع تعليمي لعائلة سورية

0 13

في نهاية عام 2015، وصل أحمد قطيني إلى ألمانيا برفقة ابنه محمد تولد 2007، الذي كان في الثامنة من عمره. لم يكن يحمل معه مشروعاً مهنياً واضحاً بقدر ما كان يحمل هدفاً أكثر إلحاحاً: الوصول إلى مكان آمن، ثم محاولة بناء مستقبل لأطفاله.

كانت الأسرة لا تزال في سوريا. زوجته وأبناؤه الآخرون بقوا في خان شيخون بريف إدلب، المدينة التي كانت تتعرض للقصف المستمر، فيما كان أحمد يحاول في ألمانيا أن يتعلم اللغة، ويؤمّن وضعه القانوني، ويهيئ الطريق للمّ شمل عائلته.

يقول أحمد إن أصعب ما واجهه في البداية كان محاولة تعويض ابنه عن غياب بقية أفراد الأسرة، وتحفيزه على تعلم لغة جديدة، بالتزامن مع سعيه لتسريع إجراءات الإقامة ولمّ الشمل. وكانت اللغة الألمانية، كما يقول، واحدة من أكبر التحديات، قبل أن يقرر التعامل معها باعتبارها مفتاح الاستقلال والاندماج.

خلال عام ونصف تقريباً، وصل إلى مستوى B2 في اللغة الألمانية. وفي الوقت نفسه، بدأ محمد بالاندماج في مدرسته وتعلم اللغة.

في أواخر عام 2016، وصلت الزوجة وبقية الأبناء إلى ألمانيا. وكان التعليم أول الملفات التي وضعتها الأسرة على رأس أولوياتها. جرى تسجيل الأطفال في المدارس، وبدأت رحلة جديدة لم تكن سهلة تماماً؛ فالنظام التعليمي الألماني مختلف عن الذي عرفته الأسرة في سوريا، كما أن العلاقة بين الأهل والمدرسة أكثر حضوراً، من الاجتماعات الدورية إلى المتابعة المستمرة لمسيرة الأبناء.

لكن الأسرة، بحسب أحمد، لم تتعامل مع هذه الاختلافات باعتبارها عائقاً، بل باعتبارها جزءاً من عملية التعلم.

غزل.. من الصف الأول إلى العلامة الكاملة:

كانت غزل 2009، قد التحقت بالمدرسة الألمانية في الفصل الثاني من الصف الأول. وخلال فترة قصيرة استطاعت أن تتعلم الألمانية قراءة وكتابة وتحدثاً بدرجة جيدة جداً.

ساعدها والدها، الذي كان قد قطع شوطاً جيداً في تعلم اللغة، كما استفادت من برامج المدرسة المخصصة للأطفال اللاجئين لتعلم الألمانية بصورة مكثفة.

وفي الصف الثاني بدأت ملامح التفوق تظهر بوضوح.

يتذكر أحمد اجتماعاً مع معلمة ابنته في ذلك الوقت، عندما تحدثت بإعجاب عن سرعة بديهتها وقدرتها على التعلم، وقالت له إنها تتوقع أن تكون غزل من الطلاب المميزين جداً في مسيرتها الدراسية.

كانت تلك الكلمات، كما يقول، مصدر فخر كبير له.

وفي نهاية الصف الرابع، جاء التقييم الذي سيحدد مسارها التعليمي التالي. أوصت معلمتها بأن تتابع غزل دراستها في الـGymnasium، بعد أن كانت من المتفوقين وحصلت على علامات كاملة في جميع المواد.

نصحته المعلمة بمدرسة liebe Frauen in Mühlhausen، وهي المدرسة التي التحقت بها غزل لاحقاً. وعندما سأل أحمد إدارة المدرسة إن كانت ستقبل ابنته، جاءه الرد بأن علاماتها لا تترك مجالاً لرفضها.

واصلت غزل طريقها، وحافظت على تفوقها من خلال الدراسة المنتظمة والمثابرة. ولم تقتصر الأسرة على متابعة دروسها المدرسية؛ بل دعمتها في أنشطة إضافية، بينها الحساب الذهني، ومكعب الروبلوكس والمرايا، ودورات إضافية في اللغة الإنكليزية، إلى جانب تعلم اللغة العربية.

هذا العام توجت غزل مسيرتها بنتيجة استثنائية في امتحانات الصف العاشر، وحصلت على العلامات الكاملة في الألمانية والرياضيات والإنكليزية، ومعظم المواد الأخرى، وفق والدها.

بالنسبة إلى أحمد، لم تكن النتيجة مجرد درجات مدرسية، بل مكافأة لسنوات من الجهد الذي بذلته الأسرة.

أما غزل، التي بدأت التفكير في دراسة الطب منذ نحو سن العاشرة، فتستعد لمواصلة تعليمها وصولاً إلى الـAbitur، قبل تحقيق حلمها بدراسة الطب.

خمسة أبناء.. وخطة عائلية واحدة:

لكن قصة غزل لا تنفصل عن بقية الأسرة.

محمد، الابن الأكبر، يستعد هذا العام لامتحان الـAbitur، ويخطط لدراسة التجارة والاقتصاد. ورهف من المتفوقات في صفها، وحصلت على علامات كاملة في معظم المواد، فيما التحق التوأم مالك وملاك هذا العام بمدرسة الـGymnasium، وتسعى الأسرة إلى مساعدتهما للوصول إلى مستوى التفوق نفسه.

وراء هذا المسار، يقول أحمد، توجد خطة عائلية واضحة: أن يكون نجاح الأبناء في التعليم نقطة البداية لبناء مستقبلهم.

لكن الخطة لم تكن بلا ثمن.

تقول تجربة الأسرة إن متابعة تعليم خمسة أبناء في مراحل مختلفة من التعليم الألماني تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. وفي بعض الأحيان كان الأب والأم يضطران إلى الذهاب منفصلين إلى اجتماعات المدرسة التي تعقد في الوقت نفسه. كما اختارت الأم، وهي معلمة فنون حاصلة على المعهد المتوسط للأعمال اليدوية، البقاء في المنزل لمتابعة تعليم الأبناء.

أما أحمد، الحاصل على الشهادة الثانوية الأدبية، فقد بدأ حياته المهنية في ألمانيا في مجال رعاية ذوي الإعاقة، ثم انتقل إلى العمل الفندقي، ويخضع حالياً لإعادة تأهيل مهني Umschulung في مجال الكهرباء الصناعية والتحكم الذاتي.

إنها صورة أخرى للاندماج: أب يعيد بناء مساره المهني، وأم تكرس وقتها لتربية الأبناء، وخمسة أطفال يشقون طريقهم في النظام التعليمي الألماني.

من الأمان إلى المستقبل:

يقول أحمد إن الهدف الأساسي من مغادرة سوريا عام 2015 كان البحث عن مكان آمن ومستقبل أفضل للأطفال، في وقت كانت فيه خان شيخون تتعرض للقصف وكانت الظروف التعليمية صعبة.

بعد أكثر من عشر سنوات، يرى أن التجربة أثبتت، من وجهة نظره، قدرة كثير من الأسر السورية على التأقلم والاندماج وتطوير نفسها.

ولا يختزل أحمد هذا النجاح في جهد الأبناء وحدهم. فالأسرة تعلمت اللغة، والمدرسة قدمت دعماً كبيراً، والأطفال بذلوا جهودهم، واجتمعت هذه العوامل لتصنع المسار الذي وصلت إليه العائلة.

ولهذا يوجه رسالته إلى الأسر السورية التي لا يزال أبناؤها في بداية الطريق: ابدؤوا بأنفسكم. تعلموا اللغة، وكونوا قدوة لأبنائكم، واستفيدوا من الفرص التعليمية المتاحة أمامهم.

بعد عقد من الوصول، لم تعد ألمانيا بالنسبة إلى عائلة قطيني مجرد المكان الذي وجدت فيه الأمان. أصبحت المكان الذي يحاول فيه خمسة أبناء كتابة مستقبلهم؛ أحدهم يستعد للـAbitur والاقتصاد، وأخرى تستعد لمواصلة الطريق نحو الطب، وثلاثة آخرون ما زالوا في بدايات مسارهم.

وهكذا، ربما تختصر قصة هذه الأسرة جانباً من التحول الذي شهدته حياة بعض السوريين في ألمانيا: من رحلة بدأت بالبحث عن الأمان، إلى مشروع طويل لبناء الإنسان، وكان التعليم أحد أهم أبوابه.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني