الثورة السورية ومآلات التجربة الحزبية.. بين الممكن والمحال والوجود والعدم

0 13

ممّا لا شكّ فيه أن حقبة البعث عامّة، والأسدين منها خاصّة، قد قتلت الحياة السياسيّة التعدّدية ولم تُنتج لنا تجربة حزبية حقيقيّة فاعلة. بل اكتفت بحالة حزبية مسخة تمثّلت بما عُرف بالجبهة الوطنيّة التقدميّة التي كانت أشبه بمسرحيّة هزلية.

ومع بدء الحراك الشعبيّ الطامح إلى التغيير بدأت حركة سياسيّة مرافقة وداعمة تهيّئ الفضاءَ السياسيّ اللاحق والمأمول لولادةٍ حزبيّة جديدة تنسخ عقودَ الجمود الحزبيّ، وتشرّع المستقبل لحياة تعدّدية سياسيّة ديموقراطيّة واعدة تنقل البلد من ضفّة إلى أخرى.

ولأنّ الحراك تحوّر بفعل ظروف طارئة وعوامل متعدّدة، داخليّة وخارجيّة، فأخذ مساراً جديداً مختلفاً جنح فيه نحو مواجهة طغيان النظام وأساليب قمعه إلى العسكرة والمواجهة، ففرض هذا الواقع شروطاً جديدة لبدء هذه التجربة الحزبيّة، وكان أوّل مستجدّاتها ومتغيّراتها أنّها نقلت ساحة التجربة من الوطن إلى المنافي والاغتراب؛ وإنْ كان ثمّة بعض الأحزاب التي اختارت أن تكون ولادتها داخل الوطن، فجعلها هذا في حالة شبه خصام معلن أو مضمر مع تجارب الخارج المتعدّدة، وذلك للبون الشاسع بين سقفي البرامج لكلّ من الحالين، ولحالةٍ من الريبة والاتّهام المتبادل بينهما في وطنيّة البرامج السياسية ومدى نجاعتها ومصداقيّتها وقدرتها على تلبية متطلّبات الشأن السوري ووضعه الكارثي.

هذا الواقع جعل هذه الولادة بين مسارين إشكاليّين: مسار راديكالي حالم بتغيير جذريّ يتعدّى بنية النظام ليطال الذهنيّة السياسية والواقع الاجتماعي متأثّرٍ بالفضاء الاغترابيّ الذي وُلد فيه، ومسار آخر يعتمد على آليّات ما يُسمّى في المناهج الفلسفيّة بالتكوين التلفيقيّ – إذا صحّت الاستعارة والاستعانة به في الحقل السياسي – أي هي تقدّم برامج ذات بنية سياسيّة متعدّدة التوجّهات، فتجمع بين اليساريّ واليمينيّ والعلمانيّ والدينيّ، وكأنّها تجربة إصلاحيّة توافقيّة تبغي الوجودَ أكثر ممّا تتطلّع إلى تقديم الجديد الذي يحمل هُويّته الحزبيّة الخاصّة.

وهذه الإشكالات ليست ذات بال يمكن لها أن تعرقل صيرورة الحياة السياسيّة في سوريا الجديدة. لكنّ ثمّة تحدّيات أخرى، يجوز فيها الزعم أنّها الأخطرُ في رسم مشهد ما بعد الأسد.

ومن أبرز هذه التحدّيات وأكثرها إلحاحاً هو مدى قدرتها على التأثير في مستويين متلازمين: المستوى الجماهيريّ الشعبيّ، والمستوى السياسيّ في صنع القرار والقدرة على خلق حالة من التشاركيّة في بناء نظام سياسيّ جديد.

إنّ المتابع للمشهد السياسيّ اليوم يجد أنّ هذه الأحزاب ما تزال أسيرةَ الدائرة التنظيريّة، وليست قادرة على تحويل برامجها ووجودها إلى حالة عمليّة تطبيقيّة. يضاف إلى ذلك أنْ ثمّة ما يشي بقرار ضمنيٍّ من السلطة على رفض الحالة الحزبية أو إبعادها قدر المستطاع في الوقت الراهن، ولا سيّما أنّ أصواتاً بعضها يمثّل السلطة وبعضها صدى لهذه السلطة ويلهج بلهجها ومن وحي كتابها قد صدعت وأعلنت أنّها لا تحبّذ وجود أحزاب في الحياة السياسيّة اليوم. وهذا من السلطة الراهنة لا يمكن أن يُدرج ضمن الاقتراح والمشورة القابلة للنقاش والتداول، وذلك أنّ سلطة اليوم تستند إلى منطق فقهيّ يرفض الديموقراطية مصطلحاً وأنموذجاً؛ بل إن رئيس المرحلة الانتقاليّة قد قالها صراحة إنّه يرفض استعارة تجارب الغير.

لذلك على الأحزاب التي تريد أن يُكتب لها النجاح والمشاركة في رسم خُطى المستقبل السياسيّ أن تخرج من حالة الوجود الوهميّ المقتصرة على برامج تنظيريّة ورقيّة، وعليها البدء بالتوجّه نحو الناس قبل طلب الذهاب نحو مشهد السلطة والدخول المجّاني من بوّابتها نحو الحياة الجديدة؛ بابها يبدأ من دفع رسم الدخول الشعبيّ، وهذا الشعبي هو الذي سيحقق لها وجودها ويضغط باتجاه فسح المجال المستحقّ لها.

والموضوع في هذه التجربة يطول وذو شجون يتجاوز مساحة عمود المقال، ولكن يمكن هنا أن يُشار- أيضاً- إلى دور البرامج الاقتصاديّة والمعيشيّة في وجود هذه الأحزاب وفرضِ تجاربها أو قبولها والحاجة إليها؛ إذ يُلحظ أنّ أغلبها ييمّم شطر البيت السياسيّ، وقلّما نجد أحزاباً من الموجودة اليوم التي تعلن عن نفسها بتقديم رؤى اقتصاديّة تفي بمتطلّبات المرحلة الراهنة. كذلك، ثمّة افتقار أغلب تلك الأحزاب للعضويّة التكنوقراطيّة والشخصيّات التخصّصية غير السياسيّة.

وأخيراً لابدّ من التذكير بأنّ ثمّة بعض الأحزاب تقف موقفاً قطعيّاً رافضاً من الوضع الراهن وحالته السياسيّة، بعضها على أسس ديمقراطيّة وأخرى على أسس نظريّة طوباويّة. ولكلّ من هذه التجارب نظريّتها وجدليّتها ووجهات نظرها الأخلاقيّة والمصلحيّة حيال مواقفها، وإنْ كان العرف السياسيّ يقول إنّها ستظلّ أضعف تأثيراً في المشهد اليوم.

ويبقى الأمل بوجود حياة سياسيّة تسمح لهذا التجارب بتقديم نفسها، وإلّا فإنّ انعدامها لا يمكن أن يكون بديلاً صحيحاً حتى ولو من خطئها؛ فوجود التجربة الخاطئة أفضل من عدم وجود التجربة الصحيحة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني