الواقع الثقافي في دير الزور: مؤسسات تعيد البناء وأجيال تستشرف الغد

0 14

تمثل دير الزور واحدة من أقدم حواضر سورية الثقافية، بإرث يمتد لآلاف السنين وذاكرة شعبية غنية بالفن والأدب. بعد سنوات من الركود، يشهد المشهد الثقافي فيها حراكاً مؤسسياً ملفتاً، تقوده مديرية الثقافة واتحاد الكتاب العرب، مع تركيز غير مسبوق على الطفل والشباب. غير أن هذا الزخم، رغم إيجابيته، يصطدم بعقبات مالية وهيكلية، تهدد تحويل المبادرات إلى حراك مستدام، ما يستدعي دعماً حقيقياً يتجاوز الفعاليات الموسمية.

إرث ضارب في العمق

تمتاز دير الزور بخصوصية ثقافية نابعة من موقعها كملتقى حضارات وطرق تجارية، أمدّها بمتحف وطني يحكي ممالك ماري وآشور، وفنوناً شعبية وحرفاً يدوية تعكس عبقرية البيئة النهرية والصحراوية. لم تكن الثقافة فيها حكراً على النخبة، بل نسيجاً يومياً، جعل منها منبعاً للإبداع، لا وافدة عليه.

مديرية الثقافة.. عمود فقري يعاود النبض

تضطلع المديرية بإدارة شبكة من المراكز والمكتبات، وشهدت مؤخراً جهوداً لإعادة تأهيلها. واستقبلت مكتبتها آلاف الكتب ضمن مبادرة “ولو بكتاب”، وأقامت معرضاً للكتاب بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب، ونظّمت “الحافلة الثقافية” التي جابت الأحياء لتوزيع الكتب وحلقات القراءة، مؤكدة أن الثقافة أداة فاعلة لمعالجة القضايا المجتمعية، لا مجرد نشاط ترفيهي.

اتحاد الكتاب العرب: منصة للأدب

يعمل فرع الاتحاد على رعاية المواهب المحلية وتنظيم الفعاليات الفكرية، ليكون رافداً أساسياً للحركة الأدبية في المحافظة.

ثقافة الطفل: استثمار حقيقي

في نقلة نوعية، أولت المؤسسات اهتماماً متزايداً بالطفل، عبر برامج وأنشطة مخصصة، وآخرها افتتاح مكتبة الطفل. هذا التوجه يعكس إدراكاً أن الطفل ليس متلقياً سلبياً، بل هو شريك في صنع المستقبل الثقافي، وأن الاستثمار فيه اليوم ضمان لاستمرارية المشروع غداً.

التحديات: عقبات في طريق النهضة

على الرغم من هذا الزخم الإيجابي، يواجه الواقع الثقافي في دير الزور مجموعة من التحديات التي تعيق تحويل هذه المبادرات إلى حراك مستدام ومؤثر، وتحتاج إلى معالجة جذرية.

أولاً: ضعف التمويل المخصص للثقافة

ويعدّ التحدي الأبرز والأكثر إلحاحاً. فالميزانيات الحكومية المخصصة للشأن الثقافي محدودة، ولا تغطي احتياجات المؤسسات من صيانة وتجهيز وتشغيل، ناهيك بتمويل المشاريع الإبداعية الكبرى. هذا الواقع يجعل الفعاليات الثقافية تعتمد بشكل كبير على جهود ذاتية أو دعم عابر، ما يهدد استمراريتها ويجعلها هشة أمام أي تقلبات اقتصادية. إن غياب التمويل الكافي يحول دون تحديث التجهيزات التقنية للمراكز الثقافية، ويحد من قدرتها على استضافة فعاليات نوعية تجذب جمهوراً أوسع.

كما أن قلة المطابع ودور النشر يعيق حركة الطباعة والتوزيع التي تحتاج إلى سيولة مالية لطباعة الكتب وتوفيرها بأسعار مناسبة. هذه المعضلة المالية تجعل الإبداع رفاهية مكلفة في زمن أولوياته الخبز والماء والكهرباء.

ثانياً: نقص الكوادر البشرية المتخصصة

ما يمثل تحدياً استراتيجياً بالغ الخطورة على المدى البعيد. إذ أسهمت الظروف الصعبة في السنوات الماضية في هجرة شريحة كبيرة من الكوادر الثقافية من أبناء المحافظة، الأمر الذي خلق فجوة معرفية واضحة بين الأجيال. والجيل الجديد من الشباب، رغم حماسه وطاقته، يعاني من نقص في الخبرة والتأهيل الأكاديمي والتطبيقي، ويحتاج إلى برامج تدريبية نوعية لصقل مواهبه وتزويده بالمناهج النقدية والفنية الحديثة. إن استمرار هذا الوضع يعني أن المبادرات ستظل محصورة في مستوى الهواية ولا ترتقي إلى مستوى الاحترافية التي تضمن لها التأثير والانتشار، ما يضعف من قدرة المدينة على إنتاج خطاب ثقافي مؤثر على المستوى الوطني.

ثالثاً: الحاجة إلى تأهيل البنية التحتية

لا تزال معظم المراكز الثقافية والمكتبات بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة، حيث تعاني من نقص في التجهيزات التقنية والمرافق الأساسية. فالمسارح والقاعات بحاجة إلى تجديد، والمكتبات بحاجة إلى تجهيزات عصرية، ودور النشر بحاجة إلى دعم لوجستي يمكنها من أداء دورها. هذا الوضع يجعل البيئة المادية غير محفزة بالشكل الكافي للإبداع، حيث يفتقر المبدع إلى المكان الملائم لعرض إنتاجه. ورغم الجهود المبذولة، إلا أن وتيرة العمل لا تزال دون مستوى الطموح.

رابعاً: محدودية الانتشار الجغرافي

يتركز النشاط الثقافي حالياً في المدينة وبعض الأرياف، بينما تعاني مناطق ريفية كثيرة من شبه غياب للخدمات والأنشطة الثقافية، ما يحرم شريحة واسعة من المجتمع من فرصة المشاركة في الحراك الثقافي. هذا التمركز الجغرافي يحد من وصول الثقافة إلى شرائح المجتمع كافةً، ويعمق الفجوة بين المركز والأطراف.

خامساً: غياب استراتيجية ثقافية طويلة الأمد

تحتاج المؤسسات الثقافية إلى رؤية استراتيجية واضحة تمتد لسنوات، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس وخططاً تنفيذية مرحلية، بدلاً من الاعتماد على الفعاليات الموسمية والمبادرات الفردية التي قد تفتقر إلى الاستمرارية. غياب هذه الاستراتيجية يجعل العمل الثقافي رهناً بالجهود الشخصية والإمكانيات المتاحة بشكل عابر، ما يمنع بناء حراك ثقافي مؤسسي حقيقي.

استراتيجية ثقافية لدعم بناء الدولة الجديدة

إن تجاوز هذه التحديات لا يتطلب فقط رفعاً في الميزانيات، بل يتطلب إعادة نظر كاملة في مكانة الثقافة ضمن أولويات الدولة والمجتمع. مع انطلاق مسيرة بناء الدولة الجديدة في سوريا، لا يمكن فصل المشروع الثقافي عن المشروع الوطني العام؛ فالثقافة هي القاعدة الصلبة التي يقوم عليها التماسك الاجتماعي، والهوية الجامعة، والقيم المشتركة التي تربط أبناء الوطن بعضهم ببعض، وهي الوسيلة الأنجع لترسيخ قيم المواطنة والانتماء.

الاستثمار الحقيقي في الثقافة يجب أن يتجلى في:

– وضع خطط تمويلية مستدامة: توفير ميزانيات ثابتة ومدروسة للحراك الثقافي، مع تشجيع آليات التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص، وتقديم حوافز للشركات الخاصة لدعم الأنشطة الثقافية كجزء من مسؤوليتها المجتمعية. كما ينبغي البحث عن شراكات مع المنظمات الدولية والمؤسسات الثقافية العربية لدعم المشاريع الثقافية في المحافظة.

– إعادة تأهيل البنية التحتية بشكل علمي: وضع برامج طموحة لإعادة ترميم المتحف والمسارح والمكتبات، وتزويدها بالتجهيزات التقنية الحديثة لتكون قادرة على استضافة إنتاج ثقافي معاصر، وتعزيز دورها كمنارات معرفية في المحافظة. وينبغي أن تشمل خطط التأهيل المراكز الثقافية كافة في المدينة والريف على حد سواء.

– رعاية الكوادر البشرية واستقطاب العقول: إطلاق برامج تدريبية متخصصة للشباب بالتعاون مع الاتحادات والمنظمات، إلى جانب خلق بيئة جاذبة للكوادر المغتربة للعودة والمساهمة في إغناء المشهد، من خلال تنظيم ورش عمل ومشاريع مشتركة تنقل الخبرات وتحدث التكامل بين الأجيال. كما ينبغي وضع برامج لاكتشاف المواهب الناشئة في مختلف مجالات الإبداع ورعايتها منذ مراحل مبكرة.

– تفعيل الشراكات الأهلية المؤسسية: بناء جسور تواصل بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الأهلية والمبادرات الشبابية، لضمان توجيه الدعم للمشاريع الواعدة التي تلامس احتياجات المجتمع المحلي الحقيقية، وتحويلها من جهود فردية إلى سياسات ثقافية عامة. هذه الشراكات هي الضمانة لاستدامة الحراك الثقافي وتوسيع نطاق تأثيره.

– توسيع الانتشار الجغرافي للأنشطة الثقافية: العمل على نقل الفعاليات الثقافية إلى المناطق الريفية النائية، من خلال إنشاء مراكز ثقافية فرعية أو تنظيم قوافل ثقافية متنقلة، لضمان وصول الثقافة إلى أبناء المحافظة كافة دون تمييز.

– إدماج الثقافة في المناهج التعليمية: النهضة الحقيقية تبدأ من المدرسة. يجب أن تحمل المناهج الجديدة بعداً ثقافياً يُعرّف الطالب بتراث منطقة الفرات، ويشجعه على التذوق الفني والنقد البناء، ويعزز ارتباطه بهويته الثقافية منذ الصغر.

النهضة الثقافية في دير الزور ليست حلماً، بل حاجة ملحة يمكن تحقيقها بالإرادة السياسية والتمويل المدروس وتأهيل الكوادر. فالمدينة تملك رصيداً تاريخياً وزخماً شبابياً واعداً، والالتفات الجاد للطفل يبشر بمستقبل ثقافي متجدد. لكن الرهان الأذكى هو أن تراهن الدولة الجديدة على الثقافة، لأن إعادة البناء دون إعادة الروح والمعرفة بناء ناقص المصير.

يبقى الأمل أن تعود دير الزور كما كانت، نافذة سوريا المشرقة على وادي الفرات، حيث يلتقي الماضي العريق بحاضر التحدي، لينبثق مستقبل يليق بعراقة هذه البقعة. والثقافة في النهاية هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الحلم السوري الجامع.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني