
إلى رجل لم يلتفت
لم تلتفتْ. وربّما لم ترَ شيئاً سوى الرصيفِ المتشقّقِ تحتَ حذائك، وسوى ظلِّكَ الوحيدِ الذي يسبقُكَ إلى البيتِ كأنّه يحفظُ الطريقَ أكثرَ منك. لكنّي رأيتُك. رأيتُ انحناءةَ كتفيكَ وأنتَ تحملُ كيسَ الخضار، لا كمنْ يحملُ طعاماً، بل كمنْ يحملُ معنى أنْ يظلَّ الرجلُ واقفاً رغمَ كلِّ شيء.
كانَ الكيسُ مثقوباً. يتساقطُ منهُ الماءُ على الأسفلتِ قطرةً قطرة، كدموعِ شيءٍ لا يُرى. أصابعُكَ المغروسةُ في العروةِ تقبضُ على ما تبقّى من نهارِكَ: أملِ عشاءٍ هزيل، وفرحٍ صغيرٍ ينتظرُ خلفَ بابٍ يأكلُهُ الصدأ.
مدينةٌ كاملةٌ كانتْ على كتفيك. لا دمشقَ البطاقات، بل دمشقُكَ: الأنفاقُ المطفأة، والحاراتُ التي صارَ الفقرُ فيها أثاثَ البيوت، امرأةٌ تمسحُ وجهَها وتعودُ إلى الموقد، طفلٌ ينامُ على صوتِ أمه ولا يصحو على صوتِ الخبز، شيخٌ يبيعُ أعوادَ ثقابٍ وعيناهُ معلّقتانِ في مكانٍ أبعدَ من السماء.
تمنّيتُ لو أملكُ أنْ أقولَ لكَ: اجلسْ قليلاً، اتركِ الحياةَ تنتظرُ خارجَ الباب. تمنّيتُ لو أحملُ عنكَ الكيسَ ولو لخطوات، فأشعرَ أنَّ للكونِ اتّزاناً، وأنَّ ثمّةَ مَنْ يرى تعبَ الآخرين.
لكنّكَ مضيتَ. التهمَكَ آخرُ الزقاقِ كما يلتهمُ الظلامُ شمعةً وحيدة. تركتَني بسؤالي: كم من رجلٍ يمشي في شوارعِ دمشقَ الآنَ حاملاً عائلتَه في كيس، وقلبَهُ في جيبِهِ المثقوب، وحكايتَهُ في حنجرةٍ لا تجيدُ الشكوى؟
عدتُ إلى بيتي. حملتُ صورتَكَ في صدري: رجلٌ مجهولٌ بعمر جدي، في شارعِ بغداد، الساعةَ الخامسةَ والنصف، يحملُ في يمينِهِ عشاءَ عائلتِه، وفي يسارِهِ تعبَ سنينَ لم يرَهُ أحد. أنتَ لا تعرفُني، ولنْ تعرفَ أبداً أنَّ امرأةً مرَّتْ بقربِكَ، ثمَّ عادتْ تكتبُ عنكَ باكية، ودعَتْ لكَ بأنْ تطولَ أيّامُكَ، كي لا يبيتَ أحدٌ هذه الليلةَ بلا رجلٍ يحملُ العائلةَ في كيس.