ثلاثة نصوص للكاتبة لين إياد الأفغاني

0 18

لقاء بنسختي القديمة

لو قدر لي أن أكسر جدار الزمن وألتقي بنسختي القديمة، فلن أحمل معي نصائح ذكية ولا خارطة طريق للمستقبل، بل سأكتفي بنظرة طويلة صامتة، ثم أرتجل هذه الكلمات:

قف مكانك ولا ترتبك، أنا لست غريباً، أنا أنت بعد أن غربلتنا الأيام.

انظر إلى يديك الخاليتين الآن، ولا تحزن على ما سقط منهما، فكل ما خسرتَه في الطريق كان حملاً زائداً يمنعك من الركض. تلك الخيبات التي تظنها نهاية العالم ليست سوى قشور تتساقط لينمو تحتها جلدك الحقيقي، الأقوى والأصلب.

كفّ عن محاولة إبهار الجميع، ولا تستنزف نورك لتضيء عتمة من لا يرى. نمِ غرير العين؛ فالأبواب التي أغلقت في وجهك بقسوة، كانت تحميك من طرقات لا تشبهك، والمعارك التي خسرتها كانت ثمن الحكمة التي أقف بها أمامك اليوم.

لا تستعجل الخطوات، ولا تخف من الضياع، فكل منعطف خاطئ سلكته كان يقودك إليّ، وكل دمعة حبستها صاغت هذه الابتسامة الهادئة على وجهي الآن.

أنتِ بخير، وستكونِ بخير، فقط تنفسِ.. وعشِ اللحظة كما هي.

مزيج نبض

على عتبة تلك النافذة الخشبية المتهالكة، تختبئ تفاصيل زمنٍ بريء لا يعرف التكلف. هناك، حيث تتمازج خيوط الشمس مع ضحكات الطفولة العفوية، يطلّ وجهٌ يملؤه الفرح، وكأنه يرى في حضورها العالم بأسره.

تلك الجديلة المنسدلة على كتف الطفلة، وخطوط سترتها الملونة، تحكي قصة لقاءٍ بسيط لا يحتاج إلى موعدٍ مسبق. لم تمنعهم النوافذ المغلقة ولا الجدران الطينية من بناء جسرٍ من النقاء؛ فالأرواح الصغيرة تجد دائماً طريقاً للعبور، وتصنع من شقوق الخشب القديم بواباتٍ للأمل والمرح. هي لحظة هاربة من صخب الحياة، تذكرنا بأن السعادة الحقيقية لا تسكن القصور، بل تولد في تفاصيل صغيرة يتشاركها قلبان نقيان.

النزيف الصامت

سقط الرأسُ أخيراً بعد طولِ صمود، ولم يكن السقوطُ مدوياً، بل كان هادئاً كأنفاسِ الفجرِ الأخيرة.

على تلك الطاولةِ الخشبيةِ الباردة، استراحَ التعبُ الذي رافقَهُ لسنوات، وتدفقَ كلُّ ما كان يكبتهُ في داخله دفعةً واحدة، ليرسمَ على السطحِ الأبيضِ لوحةً قاسيةً من الوجعِ القاني.

القميصُ الأزرق الذي شهدَ أياماً طويلةً من الكفاحِ والركضِ خلفَ لقمةِ العيش، تشبّعَ اليومَ بوجعٍ من نوعٍ آخر. لم يعد الجسدُ يقوى على حملِ تلك النظارةِ المعلقة، ولا على إسنادِ اليدين اللتين طالما حفرتا في الصخر. كلُّ شيءٍ هنا توقفَ فجأة، وبقيت السكينةُ الموحشةُ تلفُّ المكان، لتعلنَ أن الاستسلامَ أحياناً ليس اختياراً، بل هو ثمنٌ باهظٌ تدفعهُ الروحُ عندما تفيضُ جراحُها وتأبى أن تظلَّ خفية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني