
التصعيد الإسرائيلي في سوريا: بين ضرورات الأمن وحسابات بقاء نتنياهو
لم يُخفِ الإسرائيليون خسارتهم الكبرى بسقوط نظام الأسد، رغم أنّ الأسد الهارب شرّع كل الأبواب لاحتلال إيراني لسوريا، بل إنه كان يُقدّم نظامه على أنه جزء من محور (المقاومة) الذي تقوده إيران ضدّ إسرائيل، وبنى نظام الأسد، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، على سردية قضية فلسطينية يجب تسخير كل المقدرات والجهود لنصرتها، وتأجيل كل الاستحقاقات الداخلية في سبيل القضية المقدسة، لكن إسرائيل لم تكن تلك السرديات تُخيفها أو تُزعجها، طالما أنّ الواقع على الأرض يُشير إلى عكس ذلك.
ولا يحتاج ذلك إلى أدلة أو إثبات، حيث جرت الحرب الرمادية مع إيران، في جزء منها، على الأرض السورية، ولم يتم استهداف قوات الأسد ولا مرة، حيث لم ينظر الإسرائيليون لها كقوات عدوة، في حين أنه عندما تأكدت دولة الاحتلال من سقوط الأسد، قامت بأكبر عملية جوية في تاريخها، بقصف كل الأصول العسكرية السورية، لأنها تأكدت من أنها ستقع في يد جيش سوري جديد…
حتى اتفاقية خط الهدنة الموقعة عام 1974 بين إسرائيل وحافظ الأسد نقضتها إسرائيل، معتبرةً أنّ الاتفاقية كانت سارية مع الأب والوريث كنظام حكم، وليس مع الدولة السورية.
وقامت إسرائيل باحتلال ما بقي من جبل الشيخ وبعض الأراضي في المنطقة العازلة، وأمسكت بورقة تفاوضية داخلية عندما دعمت تمرد عصابات درزية تتبع لحكمت الهجري، إلا أنّ تل أبيب فشلت في استغلال الورقة الكردية، حيث كان للتنسيق السوري – الأمريكي – التركي الأثر الأكبر، أو الحاسم، في إنهاء الحالة الانفصالية التي مثلتها قسد عبر مسار الاندماج في الدولة السورية.
أوقف السوريون مفاوضات عبثية جرت عدة جولات منها برعاية أمريكية مع حكومة نتنياهو، التي ظنت أنّ العهد السوري الجديد ضعيف، وهي فرصة تاريخية لفرض شروطها عليه، وقد خاب ظنها عندما واجهت موقفاً سورياً رسمياً معلناً، هو نفسه الذي يجري في غرف التفاوض، وملخصه الانسحاب الإسرائيلي إلى ما قبل حدود 8/12/2024، والعودة إلى اتفاقية الهدنة السابقة، مع ضمان سوريا عدم تشكيل أيّ تهديد لدولة الاحتلال.
تكرّرت التسللات الإسرائيلية الهوليودية، والتي تدوم لساعات، ثم يتم الانسحاب بعد ذلك، وبالطبع لا أحد يُصدّق ادعاءات حكومة العدو حول وجود خلايا تريد العبث بأمن إسرائيل، ومن يتم اعتقاله والإفراج عنه في اليوم التالي هم مزارعون أو رعاة من أهل المنطقة، وقد أثار تعامل القيادة السورية مع استمرار تلك التسللات حنق حكومة العدو، حيث لم تردّ برصاصة واحدة تعطي الذريعة لجيش الاحتلال لتدمير بنى تحتية (مدنية وعسكرية) سورية، في مرحلة التعافي وتضميد جراح عقود الاستبداد وحقبة الحرب الأخيرة.
ويمكن إجمال أسباب تكرر التسللات الإسرائيلية بعدد من الأهداف:
1- توقن الطبقة السياسية والعسكرية والنخب الحاكمة الإسرائيلية أنّ سوريا الجديدة هي تهديد مستقبلي لدولة الاحتلال، والتهديد هذا يتحول إلى خطر عند توفر عاملين اثنين: أولهما النية عند السوريين بأنّ إسرائيل عدو حقيقي لا يمكن التعايش معه، لأنّ مطامعه تتجلى في إضعاف جواره، وأولهم جواره القريب، حيث يمثل هذا الهدف الضمان الحقيقي لاستمرار بقاء الدولة اليهودية، وثانيهما توفر أو امتلاك الأدوات عند السوريين لقرن النية بالعمل، وهذا ما تُدركه إسرائيل جيداً، إذ إنّ مواقفها المعلنة قبل السرية أنه لا يجوز امتلاك الجيش السوري لسلاح حديث وجيش مؤسسي نظامي حديث، كما أنه لا يجوز للشعب السوري أن يمتلك اقتصاداً جيداً، ولا نسيجاً اجتماعياً متماسكاً، لذلك نرى أنه يُكرّر التسللات ويغلفها ببروباغندا إعلامية أكبر من حجمها، لإيجاد شرخ بين القيادة والشعب، وإبعاد أي تنمية اقتصادية حقيقية.
2- أول مرة في تاريخها تواجه إسرائيل نظام حكم لم تألفه من قبل، بل وتخشى منه، فهي تُفضّل الضباط في السلطة كما في مصر، أو أنظمة حكم أقلوية كما كان نظام الأسد البائد، وأيضاً فشلت حقبة التخادم مع الإسلام الشيعي كتحالف أقليات على مستوى المنطقة، ومدعوم دولياً، وانتهت حقبة التخادم بالحرب التي ما زالت تدور في المنطقة، وترى النخب الحاكمة في إسرائيل في العهد السوري الجديد تجربة فريدة، لو نجحت، ستشكل خطراً كبيراً عليها، وملخصها أن الحركات الجهادية تصلح لأن تنجح في حكم الدول وتنال الرضى الداخلي والخارجي.
لذلك إفشال العهد السوري الجديد هو هدف استراتيجي إسرائيلي، وليس خياراً تكتيكياً لحكومة اليمين المتطرف الحالية.
3- ترى إسرائيل في سوريا عقدة ربط جيوسياسية لمحور سني عامودي يربط الأناضول بشبه الجزيرة العربية عبر بلاد الشام، وبعد الحرب الأخيرة برزت الأهمية لولادة هذا المحور وانضمام دول أخرى إليه كمصر وباكستان، ولم يكن هذا قائماً أو متخيلاً قبل التغيير الكبير الذي حدث في سوريا، لذلك فإنّ الضغط على القيادة السورية لإخافتها وتفكيك سوريا، أو جعلها دولة فاشلة، هو ما يعرقل ذلك المشروع الخطير جداً على دولة الاحتلال.
4- يرى نتنياهو نفسه أنه ملك ملوك بني إسرائيل وعرّاب مشاريع إسرائيل الكبرى، وهو مضطر أن يُنهي حياته السياسية بهزيمة استراتيجية في الحرب الأخيرة مع إيران، وعدم محو آثار 7 أكتوبر، والتي جرت في عهده، لذلك الخروج بصفقة رابحة على الجبهة السورية تُعوّض جزءاً من الخسائر السابقة.
5- الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب، وهي حاسمة لنتنياهو، لأنّ خسارته فيها لها آثار كارثية عليه، إحداها دخوله السجن بتهم الفساد، لذلك يحرص على الظهور بمظهر القوي الضامن لأمن إسرائيل في هذه المرحلة.
6- يعلم نتنياهو أن المصالح الأمريكية في سوريا مختلفة عن المصالح الإسرائيلية، لذلك يتعمّد التحرش بسوريا لتشكيل ضغط على الرئيس ترامب، لإعطائه فسحة أكبر في لبنان (على الأقل) في المفاوضات الجارية مع إيران الآن.
7- يعلم نتنياهو أنّ الضغط على دمشق سيؤدي إلى استجلاب مواقف تركية عنيفة اتجاهه، وبالتالي يريد استغلال أيّ موقف تركي من قبل اللوبي الصهيوني في واشنطن لتعكير صفو العلاقة بين أردوغان وترامب، وبالتالي إحجام أمريكا عن تزويد تركيا بمقاتلات F-35 وغيرها من الأسلحة، خاصة في ظل وعود ترامب بذلك، وتزامناً مع عقد قمة الناتو في تركيا وحضور ترامب لها.