حين يخشى السوري شريكه أكثر من خصمه

0 16

الثقة المفقودة… التحدي الأخطر أمام إعادة بناء الدولة السورية

قد لا يكون أخطر ما خلفته الحرب السورية تدمير المدن والبنى التحتية، بل انهيار الثقة بين السوريين أنفسهم. فإعادة إعمار الحجر، مهما بلغت كلفتها، تبقى أيسر من إعادة بناء الثقة حين تنهار. فاليوم، لا يخشى كثير من السوريين خصومهم بقدر ما يخشون سوء الفهم والتخوين من شركائهم في الوطن.

حين يصبح الخلاف على الوسائل اتهاماً في النوايا، تتحول أزمة السياسة إلى أزمة مجتمع.

ليست هذه مجرد أزمة بين السلطة والمجتمع، ولا بين المكونات المختلفة فحسب، بل أزمة تمس ما يسميه علماء الاجتماع السياسي بـ “رأس المال الاجتماعي”؛ أي شبكة الثقة التي تسمح للدولة والمجتمع بالعمل بصورة طبيعية. وعندما تنهار هذه الشبكة، تصبح الدولة أقل قدرة على التعافي مهما توافرت الموارد.

الثقة التي انهارت

يبدأ انهيار الثقة من الاقتصاد، لكنه لا يتوقف عنده. فالواقع الاقتصادي السوري يتسم بركود تضخمي، وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. وفي ظل هذا الواقع، أسهمت سياسات تحرير الأسعار وتقليص الدعم، دون بناء شبكات أمان اجتماعي كافية، في تعميق الشعور بالعجز وفقدان الثقة بالمؤسسات.

كما ساهم تراجع الإحساس بالمشاركة في صناعة القرار، واتساع الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، في ترسيخ الاعتقاد بأن السياسات العامة لم تعد تعكس أولويات المجتمع. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أداء الحكومة ليس المصدر الوحيد لهذه الأزمة، بل هو أحد العوامل التي تفاقمت في ظل العقوبات الدولية، وتدمير البنى التحتية، والانقسام الجغرافي الذي يحد من فاعلية أي سياسة اقتصادية أو خدمية.

ولا تتغذى أزمة الثقة على النتائج وحدها، بل على الإحساس بعدالة الإجراءات أيضاً. فعندما يشعر المواطن بأن فرص الوصول إلى العدالة، أو سماع الشكاوى، أو إنفاذ القانون ليست متكافئة، فإن الشك لا يطال القرار فحسب، بل يطال المؤسسة نفسها، حتى وإن كانت بعض هذه الانطباعات لا تعكس جميع الوقائع.

وزاد من تعقيد المشهد تشكل شبكات مصالح ارتبطت باقتصاد الحرب، واستفادت من الاحتكار والتهريب واقتصادات المساعدات، بما جعل استمرار الانقسام أكثر ربحية لبعض الفاعلين من استعادة الاستقرار وسيادة القانون.

حين أصبح الشك هو القاعدة

لا يمكن فصل أزمة الثقة عن الانقسام الجيوسياسي الذي حوّل أجزاء واسعة من سوريا إلى مناطق نفوذ متباينة في مرجعياتها الأمنية والاقتصادية والإدارية. لكن المظهر الأكثر إيلاماً للأزمة يتجلى داخل البيئة الوطنية نفسها.

ففي كثير من الأوساط السورية، لم يعد الخلاف يدور حول الأهداف الكبرى بقدر ما أصبح يدور حول النوايا والدوافع. وأصبح من المألوف أن يتردد ناشط أو أكاديمي أو فاعل مدني في التعبير عن رأيه خشية أن يُصنَّف فوراً في أحد المعسكرات المتقابلة.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن تجد أشخاصاً يرفضون الاستبداد، ويتمسكون بوحدة الدولة السورية، ويتفقون على معظم الأهداف الوطنية، لكنهم يعجزون عن إدارة خلاف محدود حول وسيلة أو أولوية، دون أن يتسلل الشك إلى النوايا أو تتصاعد الاتهامات المتبادلة. وهنا لا يعود الانقسام سياسياً فحسب، بل يصبح دليلاً على التآكل العميق الذي أصاب الثقة داخل المجتمع نفسه.

وقد أسهمت البيئة الرقمية في تعميق هذا الواقع عبر “غرف الصدى” التي تعيد إنتاج المواقف نفسها، وتضخم الأخبار الزائفة، وتعزز خطاب التخوين، حتى بات الاختلاف في الرأي يُعامل أحياناً باعتباره دليلاً على الخصومة، لا اجتهاداً مشروعاً.

وكما أن الحروب تبدأ عندما تنهار الثقة، فإن الدول لا تُبنى عندما يتفق الجميع، بل عندما يثق المختلفون بأن خلافهم لن يحرمهم من حقوقهم.

من أين تبدأ الاستعادة؟

في ظل هذه التعقيدات، تبدو الحلول الشمولية السريعة أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسات الواقعية. لذلك، يبرز مفهوم التعاون الوظيفي بوصفه مدخلاً عملياً لإعادة بناء الثقة عبر المصالح اليومية المشتركة.

ولا تقوم هذه الفكرة على افتراض وجود ثقة مسبقة، بل على العكس؛ فهي تنطلق من أن التعاون في الخدمات الأساسية، والاقتصاد المحلي، والحقوق المدنية، يمكن أن يخلق تدريجياً مصالح مشتركة تعيد إنتاج الثقة، بدلاً من انتظار توافق سياسي شامل قد يطول.

فالتاريخ يُظهر أن المصالحة السياسية المستدامة لا تُبنى على الاتفاقات وحدها، بل على خبرات يومية متراكمة يكتشف خلالها الناس أن التعاون أكثر جدوى من القطيعة، وأن سيادة القانون أكثر أمناً من منطق الغلبة.

الخلاصة

إن أخطر ما أنتجته الحرب السورية ليس الدمار المادي وحده، بل انهيار الثقة الذي جعل السوري يشك في مؤسسات دولته، وفي شريكه السياسي، وأحياناً في دوافع من يشاركه الهم الوطني نفسه.

ولذلك، فإن إعادة بناء الدولة لا تبدأ بإعادة إعمار الحجر فقط، ولا بإبرام التسويات السياسية وحدها، بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين السوريين، وترسيخ شعورهم بأن اختلافهم لا يلغي مواطنتهم، وأن القانون يحمي الجميع على قدم المساواة.

فالعقد الاجتماعي السوري الجديد لن يولد من طاولات التفاوض وحدها، بل من قدرة السوريين على إعادة اكتشاف ما يجمعهم قبل ما يفرقهم.

فالدول قد تُعاد إعمارها بالأموال، أما الثقة فلا تعيد بناءها إلا العدالة وسيادة القانون.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني