عندما يُقاس الوزن بالكيلومتر

0 14

لم يثر حديث برهان غليون في مقابلته مع قناة (سوريا) غضب بعض المتابعين لأنه أخطأ في تحليل المرحلة الانتقالية، وإنما لأنه كسر صورة ذهنية استقرت في أذهانهم، أو يريدون فرضها على الواقع السوري. فهو لم يتحدث عن السلطة بوصفها نهاية المطاف، بل بوصفها مرحلة في طريق بناء الدولة. وهنا تحديداً بدأ الخلاف.

هناك من لا ينظر إلى السلطة القائمة باعتبارها سلطة انتقالية تخضع للنقد والتقويم والمساءلة، وإنما باعتبارها تحقيقاً لغاية تاريخية طال انتظارها. وبمجرد أن تتحول السلطة إلى غاية، يصبح نقدها مساساً بالعقيدة السياسية لا اختلافاً في الرأي، ويصبح الدفاع عنها دفاعاً عن الهوية، لا عن الأداء.

ولهذا لم يناقش كثيرون ما قاله غليون عن العدالة الانتقالية، أو بناء المؤسسات، أو الاقتصاد، أو السلم الأهلي، أو الشرعية الدستورية. بل انشغلوا بوصفه بـ “العلمنجي”، وكأن هذه الكلمة تكفي لإسقاط أي فكرة دون الحاجة إلى مناقشتها.

وليس المقصود هنا أن جميع الانتقادات التي وُجهت إلى غليون كانت من هذا النوع، فبعضها يتعلق بمواقفه السياسية أو بتقييم أداءه وتجربته السابقة أو بالاختلاف معه في تقدير المرحلة. غير أن اللافت هو أن جانباً واسعاً من الردود لم يناقش مضمون ما قاله أصلاً، بل انصرف إلى تصنيفه هوياتياً وأيديولوجياً.

ولست معنياً هنا بالرد على ما قيل في الرجل، فقد كِيل له أكثر من كَيل، لكنني توقفت عند هذه الكلمة تحديداً، لأنها ليست وصفاً عابراً، بل أصبحت أداة ثابتة في الخطاب السياسي لبعض الأوساط. فكل من يقدم رأياً في بناء الدولة، أو المؤسسات، أو المواطنة، أو القانون، أو الفصل بين السلطات، أو العقد الاجتماعي، يجد نفسه متهماً بأنه “علمنجي”. وكأن هذه الكلمة أصبحت بديلاً عن التفكير.

إن وصف شخص بـ “العلمنجي” لمجرد أنه يتحدث عن بناء الدولة، يشبه قياس وزن كيس من الحنطة بالكيلومتر. فالكيلومتر وحدة لقياس المسافة، لا الوزن. وكذلك العلمانية – سواء اتفقت مع مفاهيهما أم اختلفت – مبدأ يتعلق بتنظيم الدولة وعلاقتها بمواطنيها، وليست صفة نفسية أو أخلاقية تُلصق بالأفراد كلما تحدثوا عن المؤسسات أو حياد الدولة أو المواطنة. ومن ثم فإن إطلاق هذا الوصف في غير موضعه لا يدحض فكرة، ولا يناقش حجة، بل يكشف عن سذاجة وسطحية وخلط بين مستويات مختلفة من المفاهيم.

والأدهى أن كلمة “العلمانية” نفسها تُستخدم هنا باعتبارها شتيمة، لا باعتبارها مفهوماً سياسياً قابلاً للنقاش والأخذ والرد. فالعلمانية مفهوم سياسي واسع ومحل خلاف وتعدد في التعريفات والتطبيقات، غير أن الخلاف حوله لا يبرر تحويل اسمه إلى تهمة جاهزة في وجه كل من يتحدث عن الدولة أو المؤسسات. ولهذا فإن اختزال أي حديث عن المواطنة أو القانون أو الفصل بين السلطات في تهمة “العلمنجة” لا يناقش الفكرة المطروحة، بل يستبدل النقاش بالتصنيف.. دون فهم الجوهر، فالعلمانية الفرنسية ليست هي العلمانية السويدية، أو الإنكليزية.. أو غيرهم؛ لأن كل نموذج هو نتاج تاريخه وصراعاته وبنيته الاجتماعية. وبالتالي، فإن رفض هذا المبدأ أو قبوله شأن فكري وسياسي مشروع، أما تحويل اسمه إلى تهمة جاهزة في وجه كل من يتحدث بلغة الدولة، فليس من العقل في شيء.

لقد كان غليون يتحدث بلغة الاجتماع السياسي، بينما جاء كثير من الردود عليه بلغة الهوية. كان يتحدث عن سلطة انتقالية، وعن شروط بناء الدولة بعد انهيار نظام استبدادي، وعن العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، والمؤسسات، والدستور، والاقتصاد، وإعادة بناء الثقة بين السوريين. أي إنه كان يناقش سؤالاً محدداً: كيف تُبنى الدولة بعد سقوط الاستبداد؟

لقد كان غليون يناقش وظيفة السلطة، بينما انشغل خصومه بشرعية هويتها. وعندما يحل سؤال “من يحكم؟” محل سؤال “كيف يحكم؟”، تكون السياسة قد خرجت من المجال العام، ودخلت مجال العقائد والهويات.

لكن رد بعضهم الغوغائي لم يناقش هذا السؤال أصلاً، بل انتقل إلى سؤال آخر لا علاقة له بالموضوع: هل غليون علماني؟ أو هل هو علمنجي؟ هل هو عدو أم يخدم المشروع الإسلامي؟

وهنا تكمن المشكلة.

فالإجابة جاءت عن سؤال لم يُطرح، تماماً كما لو أجبت عن مسألة في الفيزياء بقاعدة من قواعد النحو. ليست المشكلة في صحة الجواب أو خطئه، بل في أنه لا ينتمي إلى السؤال أصلاً.

ومن هنا أيضاً نفهم لماذا أثار استخدام غليون لكلمة “السلطة” بدل “الدولة” كل هذا الغضب.

فهو لم يخفض مرتبة أحد، ولم ينتقص من أحد، وإنما استخدم المصطلح الصحيح.

الدولة ليست الحكومة، وليست السلطة التنفيذية، وليست الجماعة الحاكمة. الدولة، في أبسط تعريفاتها في علم الاجتماع السياسي، هي اجتماع الشعب والإقليم والسلطة داخل إطار قانوني ومؤسساتي دائم. أما السلطة فهي أحد عناصر الدولة، والجهاز الذي يديرها في مرحلة زمنية معينة. وقد تتغير السلطة مرات عديدة بينما تبقى الدولة، وقد تنهار السلطة ولا تنهار الدولة.

الدولة تُقاس بوظائفها؛ بقدرتها على إنتاج القانون، وصون الحقوق، وبناء المؤسسات، وتحقيق المصلحة العامة. أما السلطة، فلا يقيسها بعض أنصارها إلا بهويتها: من يحكم؟ لا كيف يحكم؟ وعندما يختلط معيار الوظيفة بمعيار الهوية، يضيع الوطن بين الدولة والسلطة.

ولهذا فإن وصف السلطة الانتقالية بأنها “سلطة” ليس انتقاصاً منها، بل اعتراف بطبيعتها. فهي سلطة مؤقتة، جاءت لإدارة الانتقال نحو الدولة، لا لتكون هي الدولة ذاتها.

غير أن قطاعاً من أنصار السلطة لا ينظر إليها بهذه الطريقة. فهو لا يراها مرحلة، بل نهاية التاريخ السياسي السوري. ولا يقيس نجاحها بمدى تقدمها في بناء مؤسسات الدولة، بل بمجرد كونها تمثل – في نظره – انتصاراً لهوية دينية أو أيديولوجية طالما شعر أنها كانت مستبعدة من الحكم.

وهنا يتراجع السؤال عن المؤسسات، والحقوق، واستقلال القضاء، والعدالة الانتقالية، والاقتصاد، والدستور، ليحل محله سؤال واحد: من يحكم؟

فإذا كان الجواب: “يحكمنا من يمثل هويتنا”، انتهى النقاش كله.

وهكذا تنتقل السياسة من مجالها الطبيعي إلى مجال الهوية، وتتحول الدولة إلى جماعة، والمواطنة إلى ولاء، والسلطة إلى قيمة مقدسة.

واللافت أن البنية الذهنية الكامنة خلف هذا المنطق تشبه، في جانب منها، البنية التي كان النظام السابق يعتمد عليها في تحصين السلطة من النقد. فقد كان النظام السابق يسمي نفسه “الدولة”، ثم يختزل الدولة في السلطة، والسلطة في شخص الحاكم، فيصبح نقد السلطة اعتداءً على الدولة، ونقد الحاكم خيانة للوطن.

واليوم يتكرر البناء الذهني نفسه، وإن تغيرت المرجعية. فتصبح السلطة محصنة من النقد لأنها تمثل – في نظر مؤيديها – مشروعاً إسلامياً، أو انتصاراً للمتدينين، أو تجسيداً لهوية الأغلبية الدينية.

ويضاف إلى ذلك تبرير آخر يتكرر باستمرار، وهو أن هذه السلطة ما تزال وليدة وهشة، وأنها تواجه تحديات جسيمة، ولذلك ينبغي تأجيل نقدها حتى يشتد عظمها.

قد يكون صحيحاً أن السلطة الانتقالية هشة، لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول الهشاشة إلى حصانة. فالسلطة الانتقالية، بحكم أنها تعمل في ظروف استثنائية وتمتلك صلاحيات استثنائية، تحتاج إلى قدر أكبر من الرقابة المجتمعية، لا إلى قدر أقل منها. لأن أخطاءها لا تتوقف عند حاضرها، بل تؤسس للدولة التي ستأتي بعدها.

ومن المفارقات أن السلطة التي يُطلب من الناس الكف عن نقدها اليوم لأنها “غضة”، قد يُطلب منهم غداً الكف عن نقدها لأنها أصبحت “الدولة”. تتغير الذريعة، لكن النتيجة واحدة: تحصين السلطة من المساءلة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل السلطة الحالية إسلامية أم علمانية؟

وليس: هل برهان غليون علمنجي أم غير ذلك؟

السؤال الذي يحدد مصير سورية هو سؤال آخر تماماً:

هل نحن بصدد بناء دولة، أم بصدد إعادة إنتاج سلطة تريد أن تُسمى دولة؟

لأن الفرق بين الدولة والسلطة ليس مجرد فرق في الألفاظ، بل هو الفرق بين وطن يملكه جميع مواطنيه، وسلطة تريد أن تملك الوطن.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني