
بطء تنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية.. خطوة نحو العدالة الشعبية ومخاطرها
مرت سنة ونصف على تحرر السوريين بعد انتصار الثورة في الثامن من ديسمبر/كانون الأول عام 2024. ومنذ بدء تسنّم العهد الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع الحكم في البلاد، تعالت أصوات كثيرة تطالب باستراتيجية واضحة لتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية كمفهوم يؤشر إلى ضرورة إنصاف كل المتضررين من حرب نظام الإبادة الأسدي، والإنصاف هنا لا يشمل فقط أولياء الدم، وإنما يشمل الدولة التي تعرضت أموالها إلى النهب والسلب بطرق كثيرة.
مرّت سنة ونصف ولم تبدأ فعلياً عمليات محاكمة رموز النظام الساقط، التي كانت تتحكم بقرارات إعدام وتعذيب عشرات آلاف السوريين، أو بقصفهم بشتى أنواع الأسلحة، أو الذين أثروا بطرق غير مشروعة، هذا الزمن، والذي لم تتحسن فيه أحوال الناس المعيشية، ولم تبدأ فيه عملية إعادة الإعمار، ولم يتمّ التعامل فيه مع السوريين باعتبارهم ضحايا فقرٍ وإفقار شديدين، حيث لم تهتم الحكومة الانتقالية بوضع استراتيجية نهوض اقتصادي فاعل يبنى على ما يتيحه واقع سوريا الاقتصادي العام.
إن بطء محاكمة شخصيات ولغت في الدم السوري، ومثقلة بإدانات ملموسة ارتكبتها، جعل حاضنة الثورة السورية في حالة غضب، سيما بعد موجة من تسويات ومصالحات بين الدولة ومرتكبي جرائم تصنّف بأنها جرائم ضد حقوق الانسان وجرائم حرب.
العدالة الانتقالية لا تشمل محاكمة المتورطين بالقتل والنهب وارتكاب مختلف الجرائم بحق الشعب السوري فحسب، بل هي تتعداها إلى ضرورة إجراء مصالحة وطنية، بين مكونات الشعب السوري التي مزّقت حرب نظام الأسد أواصرها.
العدالة الانتقالية تطبيقها من اختصاص أجهزة الدولة ووفق قوانينها، ولا يجب أن تسمح الدولة لأولياء الدم أو لحاضنة الثورة بالقيام بتطبيق عدالتها الخاصة بها، لأن ذلك يغيّب حضور الدولة بصفتها القانونية أنها هي المسؤولة عن حفظ حقوق وحياة كل أفرادها.
بطء إجراءات العدالة الانتقالية مترافقاً مع سوء الوضع الاقتصادي سيدفع إلى الواجهة ما يطلق عليه “العدالة الشعبية”. وهذا أمر خطير يهدّد وحدة الدولة، ويفتح الباب باتجاه ثارات سياسية واجتماعية للمتضررين من حرب النظام الأسدي ضد من يعتقدون أنهم أتباع النظام الساقط.
دائرة الاحتجاج الشعبية هذه قد تتطور إلى دائرة عنف لا يمكن التحكم به، وهذا يهدّد استقرار الدولة السورية، ويفتح أبواب صراعات لا يحتاجها السوريون بعد أن عاشوا ويلات حرب النظام الإبادي الأسدي.
إن دعوة العهد الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى عقد مؤتمر وطني للمصالحة الوطنية هو ضرورة تاريخية لاستقرار سوريا، هذا المؤتمر ينبغي له أن يقرّ بعدالة انتقالية تقاضي كل من قتل المدنيين وارتكب جرائم حرب بحقهم. وبتعويض المتضررين، وباستعادة أموال الدولة المنهوبة. سوريا بانتظار إغلاق ملف العدالة الانتقالية ومنع فرض العدالة الشعبية للبدء بإعادة إعمار البلاد والعباد.