دير الزور وأزمة الثقة في المرحلة الانتقالية

0 49
من الاحتجاجات المحلية إلى أسئلة العدالة والشراكة والاستقرار في شرق سوريا

مرعي الرمضان

ملخص تنفيذي

شهدت محافظة دير الزور خلال الفترة الأخيرة موجة من الاعتصامات والاحتجاجات على خلفية الجدل المتصاعد حول سياسات التسوية والمصالحة، وعودة شخصيات وعائلات مثيرة للجدل إلى المحافظة، واستمرار النقاشات المتعلقة بالعدالة الانتقالية والمساءلة وإعادة الإدماج.

ورغم ارتباط الحراك بأحداث وشخصيات محددة، فإن المؤشرات المتاحة توحي بأن ما يجري يتجاوز ردود الفعل المباشرة ليعكس أزمة أعمق تتعلق بالثقة والعدالة والتمثيل والشراكة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الاحتجاجات الراهنة لا تمثل مجرد اعتراض على قرارات أو إجراءات بعينها، بل تعبر عن تراكمات ممتدة من الشعور بالتهميش وفقدان الثقة والقلق تجاه طبيعة المرحلة الانتقالية ومساراتها المستقبلية.

وتجادل الورقة بأن دير الزور تمثل اليوم إحدى أبرز الساحات التي يظهر فيها التوتر بين متطلبات الاستقرار السريع من جهة، ومتطلبات العدالة واستعادة الثقة المجتمعية من جهة أخرى.

المنهجية ومحددات التحليل

تعتمد هذه الورقة على تحليل الحراك والاعتصامات الأخيرة في دير الزور، ومراجعة الخطاب العام المتداول في الأوساط المحلية، والاستفادة من الأدبيات المرتبطة بالعدالة الانتقالية وبناء السلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات.

ولا تهدف الورقة إلى التحقق من صحة جميع الادعاءات أو الاتهامات المتداولة في المجال العام، بل إلى دراسة أثرها السياسي والاجتماعي ودورها في تشكيل الإدراك المجتمعي والسلوك الجماعي.

وبناءً عليه، تميز الورقة بين الوقائع الموثقة من جهة، والتصورات والانطباعات المتداولة داخل المجتمع المحلي من جهة أخرى، مع اعتبار أن كليهما يؤثر في ديناميات الاستقرار والثقة العامة.

من الحدث إلى البنية

يصعب تفسير الاحتجاجات الأخيرة في دير الزور بوصفها استجابة لحادثة منفردة أو قرار محدد.

فالحركات الاحتجاجية واسعة النطاق لا تنشأ عادة نتيجة حدث واحد، بل نتيجة تراكم طويل لعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية تتقاطع في لحظة معينة لتنتج حالة من التعبئة الجماعية.

وفي هذا السياق، تبدو بعض الأحداث الأخيرة أقرب إلى محفزات مباشرة لحالة احتقان كانت موجودة مسبقاً، أكثر من كونها أسباباً مستقلة بذاتها.

ومن ثم، فإن فهم الحراك الحالي يتطلب الانتقال من تحليل الحدث إلى تحليل البنية التي أفرزته.

العدالة المؤجلة بوصفها محركاً للاحتجاج

منذ انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، تشكل لدى قطاعات واسعة من السكان توقع بأن تترافق المرحلة الجديدة مع مسار واضح للمحاسبة والعدالة والاعتراف بمعاناة الضحايا.

غير أن الواقع اتسم بدرجة كبيرة من التعقيد.

فبينما سعت السلطات إلى تحقيق الاستقرار وإدارة ملفات المصالحة والتسويات وإعادة الإدماج، برزت فجوة متزايدة بين توقعات المجتمع المحلي والسياسات المطبقة على الأرض.

وبالنسبة لشريحة من المحتجين، لم تعد القضية مرتبطة بنتائج بعض القرارات، بل بغياب الوضوح حول المعايير التي تستند إليها تلك القرارات.

ومن هنا تحولت العدالة من مطلب قانوني إلى قضية ثقة سياسية ومجتمعية.

الفجوة بين العدالة القانونية والعدالة المجتمعية

تواجه دير الزور، كما تواجه سوريا عموماً، معضلة معقدة تتمثل في التباين بين العدالة القانونية والعدالة المجتمعية.

فالعدالة القانونية تقوم على الأدلة والإجراءات وقرينة البراءة.

أما العدالة المجتمعية فتتشكل من الذاكرة الجمعية والخبرات المتراكمة والانطباعات التي خلفتها سنوات الصراع.

وتزداد هذه الفجوة تعقيداً عندما تكون الانتهاكات قد وقعت قبل سنوات طويلة، في ظل غياب بعض الشهود، وفقدان وثائق، وتفكك مؤسسات كانت تحتفظ بسجلات أو أدلة محتملة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح جزء من الضحايا وذويهم مقتنعاً بأن تطبيق المعايير القضائية التقليدية وحده قد لا يكون كافياً لتحقيق شعورهم بالإنصاف.

التهميش وإعادة إنتاج التفاوتات

لا تقتصر أسباب الاحتقان على ملفات العدالة وحدها.

فقد عاد آلاف السكان إلى مدينة ما تزال تعاني آثار الدمار، وضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات، وصعوبات إعادة الاندماج الاقتصادي.

وبالنسبة لكثير من العائدين والمتضررين، ارتبطت العودة بواقع اقتصادي واجتماعي شديد الصعوبة.

في المقابل، تشكل لدى بعض الفئات انطباع بأن شبكات أو شخصيات محلية تمتلك موارد اقتصادية أو علاقات نافذة استطاعت إعادة تموضعها داخل المشهد الجديد بصورة أسرع وأكثر فاعلية.

وسواء كانت هذه الانطباعات دقيقة أو مبالغاً فيها، فإنها أصبحت جزءاً من تفسير قطاعات من السكان لطبيعة المرحلة الراهنة، وأسهمت في تعزيز الشعور بالتفاوت وعدم الإنصاف.

الإدراك المجتمعي وأزمة الثقة

شهدت الفترة الأخيرة تداول مجموعة من الادعاءات والتصورات المتعلقة بملفات التسوية والمحاسبة وإعادة الإدماج.

وتشمل هذه التصورات اعتقادات بوجود تفاوت في تطبيق بعض الإجراءات، أو تأثير للنفوذ الاقتصادي والعشائري والسياسي في بعض الملفات، أو بطء في معالجة قضايا مرتبطة بانتهاكات سابقة مقارنة بملفات أخرى.

لا تتناول هذه الورقة صحة هذه الادعاءات من عدمها، إذ إن التحقق منها يتطلب تحقيقات مستقلة وأدلة موثقة.

غير أن أهميتها السياسية تكمن في تأثيرها على الإدراك العام.

ففي المجتمعات الخارجة من النزاعات، قد تتحول التصورات المتداولة إلى عامل مؤثر في تشكيل المواقف والسلوك الجماعي، حتى قبل حسمها قانونياً.

ومن هنا، فإن أزمة الثقة لا ترتبط بالوقائع وحدها، بل ترتبط أيضاً بالطريقة التي يفهم بها المجتمع تلك الوقائع ويعيد تفسيرها.

العامل العشائري ومبدأ المساواة

لا يمكن فهم المشهد في دير الزور بمعزل عن البنية الاجتماعية والعشائرية للمحافظة.

فالعشائر ما تزال تمثل إطاراً اجتماعياً مؤثراً في الحياة المحلية، وتؤدي أدواراً متعددة في الوساطة وتسوية النزاعات وبناء التوافقات.

غير أن الإشكالية تظهر عندما يترسخ اعتقاد لدى بعض الفئات بأن النفوذ العشائري أو الاقتصادي أو السياسي يمنح فرصاً غير متكافئة للوصول إلى الحماية أو التأثير أو التسوية.

وفي هذه الحالة، لا تعود القضية مرتبطة بالبنية العشائرية نفسها، بل بمدى قدرة الدولة على ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون بوصفه أحد أهم مصادر الشرعية في المجتمعات الخارجة من النزاعات.

دير الزور بين السلام السلبي والسلام الإيجابي

يميز الباحث النرويجي يوهان غالتونغ بين مفهومين للسلام.

الأول هو السلام السلبي، ويعني غياب العنف المباشر أو توقف العمليات العسكرية.

أما الثاني فهو السلام الإيجابي، ويعني معالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى النزاع، بما يشمل العدالة والإنصاف والمشاركة والثقة بالمؤسسات.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى ما يجري في دير الزور باعتباره مؤشراً على الفجوة بين هذين النموذجين.

فانخفاض مستويات العنف لا يعني بالضرورة معالجة أسباب التوتر أو بناء الثقة المجتمعية.

ولهذا فإن الاحتجاجات الراهنة قد تُقرأ بوصفها تعبيراً عن استمرار بعض المشكلات البنيوية التي لم تُعالج بعد رغم انتهاء مرحلة الحرب المفتوحة.

اختبار دير الزور: أزمة عدالة أم أزمة عقد اجتماعي؟

رغم أن جزءاً كبيراً من النقاش يتركز حول العدالة الانتقالية والمحاسبة، فإن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع المحلي والدولة في المرحلة الجديدة.

فالسؤال المركزي لم يعد فقط: هل تحققت العدالة؟

بل أصبح: هل يشعر سكان دير الزور بأنهم شركاء في المرحلة الجديدة، أم أنهم ما زالوا موضوعاً للسياسات التي تُصاغ خارجهم؟

يمثل هذا السؤال جوهر مفهوم العقد الاجتماعي.

فشرعية الدولة لا تُبنى فقط على قدرتها على حفظ الأمن، بل على قدرتها على إقناع المواطنين بأنهم جزء من عملية صنع القرار وأن مصالحهم وتطلعاتهم ممثلة في السياسات العامة.

ويبدو أن جانباً من الاحتجاجات الراهنة يعكس شعوراً لدى بعض الفئات بأن القرارات المتعلقة بالمصالحة والتسويات وإدارة المرحلة الانتقالية تُصاغ بصورة مركزية أكثر مما تُبنى على شراكة محلية واسعة.

وبهذا المعنى، لا تعبر الاحتجاجات عن نقاش حول الماضي فقط، بل عن نقاش حول موقع المجتمع المحلي في المستقبل.

حدود التفسير الأحادي للحراك

رغم أهمية العوامل المرتبطة بالعدالة والثقة والتمثيل في تفسير الاحتجاجات الراهنة، فإن القراءة التحليلية المتوازنة تقتضي تجنب التعامل مع الحراك بوصفه ظاهرة متجانسة بالكامل.

فكما توجد قطاعات من المحتجين تنطلق من مطالب تتعلق بالعدالة والإنصاف والشراكة المحلية، قد توجد أيضاً أطراف مختلفة تسعى إلى توظيف حالة السخط الشعبي لخدمة مصالح سياسية أو اقتصادية أو محلية خاصة.

كما أن بعض الجهات الرسمية قد تنظر إلى سياسات التسوية وإعادة الإدماج بوصفها أدوات ضرورية للحفاظ على الاستقرار ومنع إعادة إنتاج النزاع أو خلق فراغات أمنية جديدة.

ومن ثم، فإن الجدل القائم لا يتمحور حول العدالة أو الاستقرار كل على حدة، بل حول كيفية تحقيق التوازن بينهما في بيئة ما تزال تعاني هشاشة مؤسساتية واجتماعية واقتصادية مرتفعة.

ولا تنفي هذه الاعتبارات وجود مظالم حقيقية أو إدراكات مجتمعية واسعة تستحق المعالجة، لكنها تشير إلى أن فهم المشهد يتطلب تجنب التفسيرات الأحادية التي تختزل الحراك في سبب واحد أو تنظر إلى جميع الفاعلين باعتبارهم كتلة متجانسة ذات أهداف متطابقة.

المخاطر المحتملة على الاستقرار المحلي

إذا استمرت أزمة الثقة الحالية دون معالجة، فقد تواجه المحافظة مجموعة من المخاطر المتراكمة، أبرزها:

  • اتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات العامة.
  • تراجع الثقة بمسارات العدالة الانتقالية.
  • تصاعد الخطابات القائمة على المظلومية والاستقطاب.
  • تنامي الشعور بالتهميش لدى الشباب والعائدين والمتضررين.
  • إضعاف فرص بناء عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة وسيادة القانون.
  • توفير بيئة قابلة للاستثمار من قبل أطراف تسعى إلى توظيف السخط الشعبي لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية.

ولا تكمن خطورة هذه المخاطر في تأثيراتها المباشرة فقط، بل في قدرتها على إعادة إنتاج أسباب التوتر وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

أولويات السياسة العامة

تستهدف التوصيات التالية الجهات الحكومية المعنية بإدارة المرحلة الانتقالية، والسلطات المحلية، والهيئات المختصة بالعدالة الانتقالية، إضافة إلى الشركاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني المنخرطة في جهود التعافي والاستقرار المحلي.

وتنطلق من فرضية أن التحدي الرئيسي في دير الزور لا يتمثل في الاحتجاجات الراهنة بحد ذاتها، بل في أزمة الثقة التي كشفت عنها هذه الاحتجاجات.

أولاً: أولويات عاجلة لاستعادة الثقة

تتمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً في تقليص الفجوة بين الإدراك المجتمعي والسياسات الرسمية.

ويقتضي ذلك تعزيز الشفافية في ملفات التسوية والمصالحة، وتوضيح المعايير الناظمة لها، والفصل بوضوح بين التسويات الإدارية أو المالية وبين المساءلة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة.

كما يتطلب الأمر توسيع قنوات التواصل مع المجتمعات المحلية والفاعلين الاجتماعيين للحد من الغموض الذي يغذي حالة الاحتقان الحالية.

ثانياً: أولويات متوسطة المدى لمعالجة فجوة العدالة

تكشف الاحتجاجات الراهنة عن فجوة متنامية بين العدالة القانونية والعدالة كما يدركها المجتمع المحلي.

ولذلك فإن تطوير آليات أكثر فاعلية لتوثيق الانتهاكات والاستماع إلى الضحايا وذويهم وحفظ الشهادات والأدلة المتاحة يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الثقة بمسارات العدالة الانتقالية.

كما تبرز الحاجة إلى مقاربات أكثر وضوحاً للتعامل مع الملفات المعقدة المرتبطة بالنزاع، بما يحد من الشعور بالإفلات من العقاب ويعزز الثقة بالمؤسسات.

ثالثاً: أولويات استراتيجية لبناء السلام الإيجابي

لا يمكن فصل أزمة الثقة الحالية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجهها المحافظة.

ومن هنا تبرز أهمية إعطاء أولوية أكبر للعائدين والمتضررين من الحرب ضمن برامج التعافي وإعادة الإعمار وخلق فرص العمل، بالتوازي مع تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في النقاشات المتعلقة بمستقبل المحافظة ومساراتها التنموية والسياسية.

فالاستقرار طويل الأمد لا يتحقق فقط من خلال غياب العنف المباشر، وإنما من خلال بناء شعور عام بالإنصاف والمشاركة والمساواة أمام القانون.

وتكمن أهمية هذه الأولويات في أنها لا تستهدف معالجة الاحتجاجات الراهنة فحسب، بل تسعى إلى معالجة العوامل البنيوية التي أفرزتها، بما يقلل احتمالات إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة في المستقبل.

خاتمة

تشير حالة دير الزور إلى أن التحدي الذي تواجهه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب لا يقتصر على إدارة الاستقرار الأمني أو إعادة بناء المؤسسات، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

فالاحتجاجات الراهنة، بصرف النظر عن حجمها أو مآلاتها، تعكس وجود أسئلة معلقة تتعلق بالعدالة والتمثيل والشراكة والإنصاف، وهي أسئلة يصعب تجاوزها عبر المعالجات الأمنية أو الإدارية وحدها.

وتوضح تجربة دير الزور أن الاستقرار المستدام لن يتحدد فقط بقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد النزاع، بل بقدرتها على بناء علاقة أكثر توازناً مع المجتمعات المحلية، وتحويل مطالب العدالة والمشاركة من مصدر للاحتقان إلى أساس لعقد اجتماعي جديد أكثر استقراراً وشمولاً في سوريا ما بعد الحرب.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني