الشارع ليس ساحة صراع: كيف نحمي الاختلاف قبل أن ينفلت؟

0 15

في ساحةٍ مثل ساحة يوسف العظمة، لا تتكلم اللافتات فقط، بل يتكلم التاريخ أيضاً. قرابة ألف متظاهر تجمعوا ليطرحوا قائمة مطالب بدت، في ظاهرها، أقرب إلى برنامج معيشي إصلاحي منها إلى بيان سياسي صدامي. لكن ما جرى حولهم، من ردود فعل غاضبة واتهامات متبادلة، أعاد إلى الذاكرة تاريخاً لا يزال حاضراً بثقله، منذ 15 آذار 2011، حين بدأت الحكاية السورية تنزلق من احتجاجات محدودة إلى مسار أكثر تعقيداً وألماً.

المشكلة ليست في التظاهر، ولا في وجود من يعارضه؛ فهذا طبيعي في أي مجتمع. الخطر يبدأ حين يتحول الاختلاف إلى احتكاك مباشر، وحين يصبح الشارع نفسه منقسماً. وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الدولة، لا بوصفها طرفاً، بل كجهة يفترض أن تنظم هذا الاختلاف وتمنع تحوله إلى صدام. ففكرة الترخيص للتظاهر أصلاً تقوم على توزيع المساحات وتفادي التماس، لا جمع المتقابلين في نقطة واحدة وكأنها دعوة لاختبار الأعصاب. بعض الخطابات التي ظهرت من مؤيدين للسلطة المؤقتة اتجهت نحو منطق “الشارع مقابل الشارع”، وهو منطق قصير النظر. لكن السؤال الأهم: أين كانت إدارة هذا المشهد؟ هل كان السماح بتقارب الأطراف في المكان نفسه مجرد خلل في التقدير، أم أن الأمر مرّ بلا انتباه كافٍ لمخاطر الاحتكاك؟ شيء من العتب يبدو مشروعاً هنا. لأن التجربة القريبة تقول إن الاحتكاك الشعبي لا يبقى مضبوطاً: يبدأ بتوتر، ثم يتصاعد، ثم يفلت من الجميع. والدولة، إن لم تكن قادرة على الفصل بين المتقابلين، فكيف ستدير ما هو أخطر؟

التجربة السورية القريبة تقول إن الأمور لا تبقى عند حدود الكلام. تبدأ بجدل، ثم احتكاك لفظي، ثم احتكاك جسدي، وفي لحظة ما يفقد الجميع القدرة على ضبط الإيقاع. وهذا ما يجعل المسؤولية اليوم أكبر من أي وقت مضى. السلطة ليست مطالبة بتبني كل ما طُرح من مطالب، لكنها مطالبة وبقوة بمنع أي انزلاق نحو صدام داخلي. إدارة التباين لا تعني قمع طرف لصالح طرف، بل تعني حماية الجميع من الوصول إلى نقطة اللاعودة.

أما المطالب نفسها، فعند قراءتها بهدوء، نجد أنها تدور حول قضايا يعرفها أي مواطن: ضبط الأسعار، تحسين الأجور، حماية الخدمات الأساسية، مكافحة الفساد، تعزيز الشفافية، وبناء قضاء مستقل. حتى البنود ذات الطابع السياسي، مثل العدالة الانتقالية أو توسيع المشاركة، لا تبدو كدعوة مباشرة لإسقاط السلطة، بقدر ما تعكس رغبة في إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع. بعبارة أخرى، هي مطالب تقول: “نريد دولة تعمل بشكل أفضل”، لا “نريد إسقاط كل شيء”.

لكن المفارقة أن تجاهل هذه المطالب أو التعامل معها كخطر أمني قد يحوّلها فعلاً إلى مصدر توتر أكبر. حين يُغلق باب الإصلاح، يُفتح باب الاحتقان. وحين يشعر الناس أن أصواتهم لا تجد طريقها، يبدأ الشك بالتسلل، ثم الغضب، ثم ربما ما هو أبعد من ذلك.

السلطة اليوم أمام اختبار دقيق، ليس فقط في كيفية الرد، بل في كيفية التفكير. هل تنظر إلى هؤلاء المتظاهرين كإشارة إنذار مبكر يمكن الاستفادة منها، أم كتهديد يجب احتواؤه؟ الفارق بين الخيارين كبير. الأول يفتح باب المعالجة، والثاني قد يفتح باب التكرار.

في المحصلة، لا يكفي التحذير من المخاطر، بل المطلوب خطوات واضحة تمنع الوصول إليها. يبدأ ذلك بإصدار قانون ناظم للتظاهر السلمي خلال وقت قريب، يبسّط إجراءات الترخيص، ويحدد المسؤوليات، ويضمن الفصل الزمني والمكاني بين التجمعات المتقابلة. ويترافق مع تشكيل لجنة مشتركة تضم الجهات المعنية وممثلين عن المجتمع المدني وخبراء حقوقيين، تتولى تقييم أي تجمع مسبقاً وتوفير آليات فصل محايدة ومدرّبة. وبالتوازي، يصبح فتح قنوات حوار رسمية مع أصحاب المطالب ضرورة لا ترفاً، حتى لا يتحول الشارع إلى البديل الوحيد للتعبير. أما ضبط الخطاب العام وتدريب القوى الأمنية على إدارة التظاهرات بمهنية، فهما خط الدفاع الأخير لمنع الانزلاق. عندها فقط يمكن القول إن الاختلاف بات مُداراً… لا متروكاً ليحكمه الشارع.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني