هل تخرج سوريا رابحة من حرب لا تشارك فيها؟

0 2٬025

بسبب قهر الجغرافيا والتاريخ وصراع الأيديولوجيا والمصالح، وجدت سوريا الجديدة التي (أنهكتها الحرب) نفسها في قلب صراع دولي وإقليمي كبير، حيث إن لم يتمكّن أحد المحاور من استقطابها إلى جانبه، فهو لن يسمح أن تكون في المحور الآخر، ويمكن أن يصل الخصوم، في حالة عدم تمكّن أحدهم من استمالتها، لأن تكون سوريا ساحةً للصراع وتبادل الرسائل في أرضها وسمائها ومياهها، حيث إنها على تماس جغرافي مباشر بين إيران وإسرائيل.

كانت سوريا الأسد في محور إيران الإقليمي، بل هي دُرّة تاج ذلك المحور والرابط بين حلقاته، وإنّ خسارة إيران لسوريا تُعتبر أهمّ خسارة واجهت نظام ولاية الفقيه منذ وصوله للسلطة كما يراه أغلب المراقبين، ولا يمكن لإيران أن تدّعي أنها قوة إقليمية كبرى أو إمبراطورية بدون تواصل جغرافي بين مناطق النفوذ، لذلك لن تُسلّم إيران بهذه الخسارة أو تركن لها، وستحاول إعادة عقارب الزمن إلى الوراء عندما تسنح الفرصة لها، وهي لا تخفي ذلك، ولن تفرّط بأهمّ جبهاتها مع إسرائيل وتترك حزب الله يعتاش على التهريب في بناء قدراته.

ومعروف عن صانع السجاد الإيراني صبره، ومعروف عن نظام ولاية الفقيه (صبره الاستراتيجي كما يقول)، وهو سيعمل على إعادة نفوذه إلى سوريا، وإلى حين حدوث ذلك ليس من مصلحته حدوث استقرار أمني وسياسي واقتصادي في سوريا، على أمل التحضير للوثوب مستقبلاً إلى فريسة ضعيفة، وإلى أن يتحقق ذلك فإن هشاشة الدولة السورية ستمكّنه من استمرار دعمه اللوجستي لحزب الله، حيث يعتبر الشريان الجغرافي هو الأهم، نظراً لصعوبة ذلك بحرياً أو جوياً…

وبالمقابل لا تتورّع دولة الاحتلال الإسرائيلي عن المجاهرة بتغيير الشرق الأوسط وجعله إسرائيلياً، وتعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، حيث ستكون إسرائيل القوة المركزية المهيمنة بدعم أمريكي، ليس من النيل إلى الفرات بل من شواطئ الأطلسي العربية إلى المحيط الهندي وبحر العرب، بحيث تمتلك إسرائيل القوة العسكرية الضاربة والمركز المالي المهم (بعد سحبه من الحواضر العربية الخليجية)، إضافةً لكونها الممر الآمن لخطوط نقل الطاقة والكوابل الضوئية بين آسيا وأوروبا، مع فرض سلام بالقوة، هو ما يعرف بالسلام الإبراهيمي، لا يكون فيه أثر لدولة فلسطينية أو حقوق للشعب الفلسطيني.

وترى قيادة دولة الاحتلال (وهنا أقصد المجمع العسكري والسياسي وليس حزباً أو تياراً بعينه) أنّ سوريا هي خطر سيتحوّل لاحقاً إلى تهديد، ليس بسبب الخلفية الإسلامية للقيادة السورية الجديدة وكونها أتت من رحم ثورة شعبية كبرى، بل إنّ أيّ حكم وطني سوري منبثق من الشعب سترى فيه نفس الخطر إن لم يكن أكبر.

وفي عصر الصدمة الإسرائيلية الكبرى من سقوط الأسد المفاجئ وتغوّل كيان الاحتلال، بل جنونه منذ حرب الطوفان، خرجت المخططات الصهيونية من الأدراج وبدأ العمل بها منذ اليوم التالي لانتصار ثورة الشعب السوري، ولولا افتراق المصالح والسياسات الإسرائيلية والمصالح والسياسات الأمريكية (وهي حالة نادرة) في سوريا، وتمكّن واشنطن من كبح الجموح الإسرائيلي، لكان يمكن أن تكون سوريا الوليدة في وضع صعب، ومع ذلك لا تزال إسرائيل تُعارض وحدة الأرض السورية وسيطرة الدولة على كامل أراضيها، بل وتطرح ترتيبات أمنية لا يمكن للحكومة السورية أن تقبلها في الجنوب السوري أو مستوى وطبيعة العلاقة مع تركيا وغيرها من الدول أو شكل ومستوى تسليح الجيش السوري الجديد.

لذلك أدركت القيادة السورية الجديدة وضع سوريا الصعب بين المحورين المتصارعين وأهميتها لكل واحد منهما، واتّبعت سياسة النأي بالنفس عن صراع صفري، وتحاول إبعاد شظاياه عنها، سيّما أنها في بداية مرحلة التعافي من حقبة الأسد المريرة وحربه على السوريين، وتبلغ التحديات أوجها في ظل وجود كتل وتيارات لا تُخفي رغبتها في تدمير التجربة السورية، وتعلن ارتباطها المباشر والعلني مع إسرائيل وإيران، وهي لا تكتفي بلعب دور الطابور الخامس، بل تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال طرح مشاريع الفدرلة الطائفية أو العرقية….

أما بالنسبة لنتائج الحرب وانعكاسها على سوريا، فبالتأكيد إنّ كلا المشروعين في المنطقة (الإسرائيلي والإيراني) لا يتوافق مع المصالح السورية، ليس كذلك فحسب بل مع المصالح العربية والتركية عامة، وترى سوريا أنّ أيّ انتصار لأحد الفريقين بشكل حاسم سيؤذيها، وستكون له أبعاد كارثية على مستقبلها، وقد يرى بعضهم أنّ هذا المشروع أو ذاك يُشكّل خطراً أكبر على سوريا ويجري نقاش حول ذلك، لكن لا يختلف اثنان أنّ كلا المشروعين هما عدوان للدولة والشعب السوري.

وبالتأكيد لن تكون سوريا دولة تنتظر انعكاس نتائج حروب الآخرين عليها، بل ستكون فاعلة بخيارين استراتيجيين جاري تنفيذهما الآن، وهما:

1- خيار بناء الدولة السورية بشكل صحيح من كل النواحي المجتمعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، بحيث تتكوّن مناعة تقاوم كل التأثيرات الضارة ومشاريع الهيمنة، وذلك لامتلاك قدرات سورية ضمن المعقول والطموح.

2- تفعيل التعاون مع الدول العربية وتركيا، مما يزيد في قدرات تلك الدول مجتمعة، والتي تواجه نفس الأخطار من المشروعين المتحاربين، بل أزال اللبس بنيامين نتنياهو والطبقة السياسية والإعلامية الإسرائيلية التي ترى أنّ الحرب المقبلة ستكون مع المحور السني في المنطقة بعد الإجهاز على المحور الشيعي الذي يتداعى، ولا يوجد أوضح من هذا الكلام.

وسيبرز دور سوريا مستقبلاً، خاصةً في ظل المخاطر الطويلة التي سيتعرض لها مضيقا هرمز وباب المندب كشرايين مهمة لعبور الطاقة وغيرها من سلاسل التوريد، وممكن أن تكون الشواطئ السورية على المتوسط مصدراً مهماً لنقل الطاقة إلى القارة العجوز العطشى لها بعد وصوله عبر أنابيب إليها من مصادر إنتاجه في الخليج العربي والعراق.

وقد قال السيد الرئيس أحمد الشرع مازحاً إنّ العالم لا يحتاج لحرب حتى يكتشف أهمية سوريا وموقعها، إضافةً إلى تفعيل النقل البري والسكك الحديدية من أوروبا إلى دول الخليج العربي.

وبالتأكيد للحفاظ على هذا الدور السوري المستقبلي، لا بد أن يلجأ المتضررون من استمرار الصراع في المنطقة إلى دعم الجهود السورية في تحقيق الأمن والاستقرار ومنع ظهور تنظيم داعش مجدداً أو عودة الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري لزعزعة الاستقرار، الأمر الذي يُطيح بكل تلك الجهود ويخدم استمرار إيران بتهديد الاقتصاد العالمي عبر المضائق التي تسيطر عليها.

ويمكننا القول إنّ مستقبل سوريا لن تُحدّده نتائج الحرب فقط، بل قدرتها على قراءة تلك النتائج والتحرّك بمرونة ضمنها، فالحروب تصنع الفرص بقدر ما تصنع الخسائر.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني