
سوريا من المسيرة إلى التظاهرة
يدل مفهوما المسيرة والمظاهرة في سوريا على عالمين مختلفين متناقضين متضادين، فسوريا المسيرة ليست هي سوريا المظاهرة، والصراع مازال مستمراً بين أصحاب المسيرة وأصحاب التظاهرة. قام المتمجدون، بلغة الكواكبي، وهم بوق السلطان، باختراع شعار قائد المسيرة دلالة على حافظ الأسد وقائد المسيرة كان يحتاج الى المسيرات التي تسبح باسمه. المسيرة خروج جمهور الموظفين المنظم وبناء على قرار والتزام بالقرار لإعلان الولاء للقائد. فكان القرار يصدر لمعامل القطاع العام والمدارس والجامعات والعاملين بالوزارات، وفروع الحزب بالخروج يوم كذا. وكل مدير أو مسؤول يحمل جدول التفقد للتأكد من عدم الغياب. ينطوي مصطلح المسيرة على معنى الخضوع والولاء الكاذب عند الكثيرين والشكلية الدعائية، إنها صورة من الإلزام الخالي من الدافع الداخلي. والخروج بها يتم بدافع الخوف من الغياب، واللافتات المرفوعة جميعها تؤكد لقائد المسيرة بأن أهل المسيرة معه وإن خضوعهم الزائف مطلق. “بالروح بالدم نفديك”، “إلى الأبد”، “منك العطاء ومنا الوفاء”، “سلام أيها الأسد”. ولهذا فالمسيرة ويافطاتها خالية من العصبية الحقيقية الموحدة للجماعة. فقائد المسيرة يعرف زيف المسيرة، والمشتركون بالمسيرة يعرفون بأن قائد المسيرة يعرف بأنهم يعرفون، والآخرون التي توجه إليهم المسيرة يعرفون. مع ذلك فإن الزيف بوصفه جزءً لا يتجزأ من سلوك الجماعة الحاكمة لا يضيره أبداً انكشاف الزيف. فجأة تظهر في الحياة التظاهرة، أو المظاهرة، وهي عالم جديد كل الجدة في حياة البلد، عالم يقوم على الصدق، ومعبر عن الأفراد الأحرار، يخرجون دون أن يحملهم أحد على ذلك، ويعرفون بأنهم في خطر يصل حدَ فقدان الحياة. في التظاهرة يتحول السوري إلى متمرد ومقاوم ومتحرر من الزيف الذي كان عليه. فالعدد الكبير من الخارجين في المظاهرة كانوا قبلاً ممن كانوا يخرجون في المسيرة. تخلق المظاهرة عصبية متحلقة حول الهدف: “الشعب يريد إسقاط النظام”. اللفتات التي ترفعها المظاهرة لا وجود فيها لشخص. وشخص المسيرة مات. وماتت معها المسيرة. التظاهرة جموع وأكف وحناجر وأهداف واضحة والإعلان صريح الشعب السوري واحد. هذا الشعب السوري الواحد لم يعد قادراً على تحمل همجية الجماعة الحاكمة وتأخرها التاريخي وغبائها العبقري وفسادها غير المسبوق في شكله ومضمونه. لقد انهار الزيف وانكشفت الحقيقة عارية شجاعة في الساحات والشوارع، في المدن والقرى. وكانت سورية تحتاج إلى عقل عادي جداً للتصالح مع التاريخ، لم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء وعبقرية لتحقيق سورية المظاهرة عوضاً عن سورية المسيرة. ولكن الجماعة الحاكمة لم يكن لديها حتى العقل العادي، ولم تفكر إلا بقتل التظاهرة، وبالتالي قتل الشعب. وكان ما كان.
وها نحن نشهد اليوم ملامح التظاهرة بوصفها تظاهرة رفض وهذا حق. ومن الحق أن تكون هناك تظاهرة معاكسة، تظاهرة ولاء. فاستعادة حق التظاهر الذي دام غيابه أكثر من ستين عاماً أمر في غاية الأهمية. لأن التظاهرة هي صورة من صور الخطاب المكتوب بالصوت والحركة واللافتة.