النفط وتوابعه.. نعمة أم نقمة ؟! (4)

0 32

تحدثنا سابقاً عن النفط في زمن ما بعد التحرير حصراً وعن ماضيه الأسود وحاضره المرتبك على الأقل. وفي هذا الجزء لتحدث من مكون الطاقة والكهرباء. في هذه الوزارة الاخطبوط التي تشمل النفط والطاقة والكهرباء والموارد المانية، كأنها «شوربة» صناعة سورية.

تسعيرة الكهرباء تحرق القلوب والجيوب

تاريخياً، الكهرباء في سورية مدعومة، حتى عندما كان القطاع منتجاً لها، كانت التعرفة منطقية ويعود ذلك إلى أن تكلفة الإنتاج منخفضة ومنظمة، الكهرباء أصبحت أساسية في الحياة المعاصرة وخاصة في المدن.

دون الخوض في تفاصيل التعرفة الكهربائية السورية المعتمدة منذ نحو 50 عاماً، فقد تمحورت حول مبدأ رفاهية المواطن ونحو 50% من قيمة التعرفة المنخفضة تحملتها الدولة بمثابة دعم دخل الأسرة. وتتقصد الحكومة أن تكون التعرفة معقدة بحيث تجعل المواطن ممتناً لأنها لم تدفعه إلى فئات أعلى من الاستهلاك وقد استلهمت وزارة النفط والطاقة والكهرباء هذه النظرية السرية وطبقت تعرفة عالية جداً، أي نحو 600% من الأساس المعتمد عام 2025 بداعي استرداد تكلفة إنتاج الكهرباء وهي كلمة حق أريد بها باطل، لو دققنا في آلية إنتاج الكهرباء وتوزيعها، نجد أن هناك قلة كفاءة عظيمة وفساداً، وقدماً في محطات التوليد وقدماً في شبكة التوزيع والضياع والسرقة، ما يجعل تكلفة الإنتاج الأعلى في العالم ولن تكون أساساً لتعرفة اقتصادية استهلاكية منطقية. ويقول كثير من المواطنين أن قيمة التعرفة الجديدة للاستهلاك الوسطي للمنزل العادي تتجاوز كل الراتب الشهري، وقال أحدهم إن تسعيرة الكهرباء لعام 2026 تحرق القلوب والجيوب. إنها كذلك بالنسبة لـ 90% من السوريين الذين هم فقراء فعلاً أو تحت خط الفقر.

تنوع مصادر إنتاج الكهرباء

هناك عدة مصادر لتوليد الكهرباء سنذكرها على سبيل التذكير:

1- الخاص والعام: كما ذكرنا بدأ إنتاج الكهرباء في سورية من قبل القطاع الخاص عام 1908. واستمر القطاع الخاص بالإنتاج في سورية حتى الستينات من القرن الماضي عندما قامت الدول وبتأميم كل الشركات الخاصة الإنتاج الكهرباء يعني تقريبا %100 من الكهرباء في سورية كانت من مهام القطاع الخاص ثم بدأت الدولة بالتوسع بإنتاج الطاقة عندما وضعت برنامج كهربة الريف في السبعينات من القرن الماضي مع بدء مند الفرات إنتاج الكهرباء وبعد ذلك أصبحت الدولة هي المولد والموزع الوحيد للكهرباء منذ عام 1970 تقريباً.

2- الأحفوري والطبيعي: ويقصد به إنتاج الكهرباء عن طريق الطاقة الأحفورية (النفط والغاز) أي أن محطات توليد الكهرباء تعمل بالفيول الثقيل أو الغاز الطبيعي، وهذه المحطات هي العمود الرئيسي للكهرباء أو نحو 80% من الطاقة المنتجة من أصل نحو 4002 ميجا وات تنتج حالياً.

أما إنتاج للكهرباء من الموارد الطبيعية، يأتي أساساً من السدود الطبيعية وهما اثنان فقط الأول سد الطبقة (الفرات) وهو كبير نسبياً وتبلغ طاقته التصميمية نحو 880 ميجا وات والثاني سد تشرين وطاقته التصميمة بحدود 630 ميجا وات في أفضل حالاته وبسبب قلة الصيانة وقيام تركيا باحتجاز مياه نهر الفرات عملياً خلف سدودها ما جعل السدود السورية لا تنتج أكثر من 40% من طاقتها التصميمية، وربما لا تتجاوز نسبة 20% من الطاقة المنتجة الحالية المقدرة بنحو 2000 ميجا وات، وحتى الآن لا يوجد طاقة قادمة من الألواح الشمسية أو الرياح إلى الشبكة العام وما يتم الحديث عنه في هذا المجال هو تجارب خاصة في القطاع الخاص.

3- المحلي والمستورد: طبعاً كل الكهرباء المستهلكة في سورية من الإنتاج المحلي. ولا يوجد كهرباء مستوردة رغم وجود الإمكانية الفنية لاستيراد الكهرباء من خلال الربط الكهربائي بين سورية والأردن وبين سورية وتركيا قبل العام 2000، ويمكن استيراد ما يعادل 30% من حاجات الكهرباء من خلال شبكة الربط الكهربائي لكل سورية ما يرفع الطاقة المتاحة نظامياً إلى 9000 ميجا وات.

شبكات التوزيع

تعتبر شبكات توزيع الكهرباء السورية متهالكة وضعيفة وقد تعرضت هذه الشبكة إلى تخريب وسرقة أبراج وأسلاك لبيعها في أسواق الخردة أثناء الثورة السورية من قبل مجموعات قطاع الطرق ما أدى إلى ارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري إلى أكثر من 30-45%،

وتشير بعض التقديرات إلى أن خسائر خطوط النقل ومحطات التحويل كبيرة نسبياً ما يتطلب استثمار ما يزيد عن 3 مليار دولار لإعادة التأهيل الأولي ومعالجة الفاقد والسرقة.

والمقترحات تشير إلى استمرار اعتماد تقنين قاس، ربما لسنوات قادمة ومحاولات تركيب 6 ملايين عداد ذكي مسبق الدفع، أما الطاقة البديلة وخاصة الشمسية والرياح فهي صغيرة جداً ولاتزال خارج الشبكة العامة لأنها منتجة من قبل القطاع الخاص.

الخصخصة الفاسدة الآن؟

1- استثمارات جديدة منحرفة: هي خصخصة للمستقبل وليس لأصول قائمة، من المؤسف أن الحكومة الانتقالية تتعامل مع الكهرباء كورقة تفاوضية مع شركات الطاقة الأجنبية وهذا يعنى أن الحكومة على استعداد للتخلي عن مصالح مواطنيها من أجل إتمام صفقة استثمارية كبرى ترضي وتقنع المستثمر الدولي بالدخول إلى سورية وإثبات صوابية التوجه الرسمي أياً كان، هذا ليس نقداً سياسياً، بل هو حقيقة تخلي الحكومة عن أبسط قواعد السيادة الوطنية بحماية مصالح المواطنين.

2- الترويج للخصخصة: كرر عدد من المسؤولين نية الحكومة خصخصة الكهرباء لتلافي الدعم والعجز وهذه كلمة حق أريد بها. باطل لتحرير مشاريع مشبوهة وسرقة المال العام علناً وبيع الدولة كما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أنا شخصيا مع الخصخصة الصحية والنزيهة التي يراقبها ويؤيدها الشعب، وليس المسؤولين الحكوميين المعينين.

وأنا واحد من ملايين السوريين أصبحنا نرى أن الحكومة هي أم الفساد والخراب للبلد، وقد يكون الأفضل إلغاء كل وظائف الحكومة ماعدا (الأمن والقضاء) وجعل قوى السوق المنظمة والمراقبة هي من تقدم خدمة الكهرباء وغيرها، أفضل من حكومات فاسدة لا رقيب ولا حسيب عليها.

3- الخصخصة في الوقت المناسب: نعم توقيت الخصخصة ونجاعة أسلوب تنفيذها هما المكونان الحاسمان في نجاحها أو فشلها، سورية اليوم، لا تزال بعيدة عن إعادة الاعمار والنهوض الاقتصادي، وأي حديث عن الخصخصة هو مراهقة سياسية غشيمة، ربما بعد سنوات من إعادة الإعمار والاستقرار السياسي قد نبدأ بالتفكير الخصخصة المنظمة للكهرباء وغيرها بإشراف مجلس النواب وليس بإشراف بيروقراطيين فاسدين عيّنتهم الحكومة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني