ودفنّاه!…

0

تأبطت ذراعي، ومشينا نحو الداخل.. فزغردت عمّتي.. أهلاً بالعروسين.. صمتنا…، وفي المساء عاتبتها…

– سعاد وحيدة والدها، وسترثُ كلّ ما يملك…

– أنسيتِ ما قلته لي: إنّها أختي؟

– لا…، هي ابنة عمّك…

– لقد تربّينا معاً، ولم يخطر ببالي ما ترثه

– يا ولدي، لا تترك الغرباء يتنعّمون بمالها…

– هذا لا يهمني، ميراثها لا يحدّد مصيرنا…

– إنّه حقّك عرفاً

– وأنا لا أريده، ولا أظنّها تفكّر بذلك…

– لا تكن غبيّاً أحمق

– ربّما… أيأكل الإنسان أخاه ؟

وانصرفتْ غاضبة تتمتم…، بينما رحتُ استرجع ذلك اليوم. دخل المدير يرافقة تلميذ.. وقفنا تحيّة… هذا سعد الحمدان، زميلكم الجديد. من آل الحمدان!، لم أرتح له، فأسرته غادرت القرية إثر مشاجرة قُتِل فيها قريب لنا…، وجه حنطي يرتسم على محيّاه الخجل.. حسن الهندام، ويحمل على ظهره محفظة كتب جديدة. أَمَرَه أن يجلس خلفنا. ومضت الساعات دون أن نسمع صوته، وفي الفرصة كان يراقبنا ونحن نلعب. عرفنا أنه جاء من العاصمة مع أهله فأبوه عُيّن شرطياً في ناحيتنا. كلّفنا المعلم بالكتابة عن فصل الربيع، ولمّا قرأ أثار أسلوبه الجميل إعجابنا، وصفّقنا له، وبدأ ينخرط باللعب وسريعاً لم يعد غريباً. وفي آخر العام قبيل الامتحان امتدّت يده إلى شعر سعاد الجالسة أمامه فأثار حفيظتي، وتشاجرتُ معه.. لكمتُه على أنفه فنزف دماً.. حاول الاعتذار أنه لم يقصد الإساءة …، وأصلح الأستاذ ما فسد. وحين علمتْ عمتي ربّتت على كتفي: سعاد أختك، وعليك حمايتها، والدفاع عنها، وأصبحنا بعدها أصدقاء متلازمين نحن الثلاثة. ولمّا انتهت عطلة الصيف، وعدنا إلى المدرسة لم يحضر سعد، فقد انتقل والده إلى منطقة أخرى، ولم نعد نراه لسنوات…

عند مدخل الجامعة رآني.. أسرع إليّ فضممته.. ومازحاً: ما هذه المفاجأة غير السّارة!؟ نكزني في الخاصرة، ودلفنا متّجهين إلى المقصف. تبادلنا الذكريات. وحضرت سعاد، ثالثة الأثافي، بطلّتها الجميلة، وتجدّد ماضي الطفولة…، وأثناء رحلة شبابية للطّلاب سألني ونحن نجلس منفردين جانباً: سالم، أليست سعاد ابنة عمك؟ ضحكتُ.. ياشقيّ، قل بما تفكّر؟ نظر إلى العشب، وتلوّن وجهه: لقد أصبحت عروساً.. لِمَ لم تخطبها؟

– لم أفكر بذلك

وأقبلت نحونا باسمة.. علامَ تتسارّان؟ وماذا تخفيان…؟ وتعالى صوت المشرف: انتهت الاستراحة.. هيّا اصعدوا إلى الحافلة، فنجا صاحبي من لحظات أربكته…

في حديقة الكلية، رشفت قهوتها.. ما الذي خبّأتماه عني أمس؟

– لا شيء…، ما رأيك بسعد؟

– صمتت لثوانٍ.. ماذا تقصد؟

– إنّه لطيف، ومحبب، وتعرفينه جيداً، وأراكما زهرتين في بستان…

– هل كلّمك…؟

– قرأت ذلك في عينيه، أتوافقين؟

ولأول مرة شعرت أني أكبرها عقداً وهي المراهقة الصغيرة تجلس على كرسي الاعتراف.. صعد الدم إلى وجنتيها وصبغهما بحمرة خفر أفصحت عن أحاسيسها، وهمست: “كما ترى”.. فطبطبتُ عليها، وعندما وصل سعد شبكتُ يديهما مباركاً…، وأعلنتُ الخطوبة بعد الامتحانات، واحتفلنا…

أخبرتُ عمّي برغبتهما فقال: أنسيتَ ما بيننا وبينهم؟

– نعم…، تلك أيامكم ولن نرثها عنكم.. والآن تجمعنا صداقة تتقوّى عراها…

– يا بني، كيف سينظر لنا أهلُه؟

– سنكون أنسباءَ وأحباباً…، دعنا نهيل التراب على جدث الماضي…

– أهذا هيّن…؟

– عندما تتوفّر النوايا الطيبة للتسامح والنسيان، وللتسامي عن الأحقاد والكراهية 

– صمتَ هنيهة.. نظر إلى الأعلى وكأنّه يستشف ما وراء الغيوم السابحة في الفضاء، ثم وضع يده على كتفي، وأفرج عن مكنون صدره: صدقتَ فيما تراه.. أنتم فهمتم معاني الحياة ومقاصدها… جيلكم أعقل…، وابتسم…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني