تكامل المختلف

0

فاجأتني!.. إنّها ما زالت تحتفظ بجمال طلّتها، ونضارة بشرتها، وبتلك العيون التي يسكن الليل فيها، وبقوامها الممشوق لولا بعض انحناء في الكتفين. ما ظننت أنّي سألتقيها بعد هذه السنوات في مكان يبعد آلاف الأميال عن أرض غرست محبتها في حنايانا ونحن في باكورة فتوتنا طلّاباً في الثانوية العامة. ألقيت التحية عليها.. تمعّنت بوجهي.. تذكّرت طالبها كثير الأسئلة.. ابتسمت وطوّقتني كأمّ.. وممازحة.. يا شقيّ ماذا تعمل هنا؟

– مهندس في شركة للبناء، متى قدمتِ…؟

– منذ سنة تقريباً، التحقت بولدي بعد التقاعد…،

– وكيف هجرتِ ما تهوينها؟

– مضطرة غادرتها؛ لكنّها لم تبارحني… سعدتُ برؤيتك، وأعطتني عنوانها مؤكّدة أنّها تنتظر زيارتي…

لا يمكن أن أنسى شغفها بالحوار، وأسلوبها المحبب في الإقناع، وصبرها على نزق يفاعتنا، ورحابة صدرها عندما نسأل ونستفسر عن معلومة، أو نجادل في الموروث الشعبي رفضاً أو قبولاً، وحين تناولنا فكرة أبي العلاء المعري وفلسفتة بالحياة في تقابل الأضداد:

“وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيسَ بِصَوْتِ الْبَشِيرِ فِي كُلِّ نَادِ

رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مِرَاراً.. ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ” توقفت لثوانٍ معدودات قبل أن تتابع؛ فساد الصمت، وشخصت العيون بها…

آهٍ!.. يا أحبائي.. ما أصعب وقع الحياة وتقلباتها، واختلافها، لا نعرفها وندرك كنهها إلا بتضادها وتقابلها.. ذكورة وأنوثة.. غنى وفقر.. وفرة وشحّ.. صحة ومرض.. نعيم وجحيم.. ظلم ورحمة.. يسر وعسر.. ضياء وظلمة.. خير وشر.. سلام ونزاع.. عداوة وإخاء.. محبّة وكراهية.. سعادة وبؤس.. صدق وكذب.. أمانة وخيانة.. فضيلة ورذيلة…،

دعونا نتفكّر قليلاً بما يحدث حولنا، ولا أطالب أحداً منكم أن يشاطرني الرأي…، يولد الإنسان ويعيش بين ضدين.. يستقبل الدنيا بصرخة، ويفارقها بشهقة وزفير. وللنظر إلى الفرق بين العدل والجور فيما نعيشه. في شرقنا تزغرد النسوة للذكر ابتهاجاً، ويتناقلنه بينهن فرحات، ويفتعلن الابتسام للأنثى مجاملة، ويطبطبن على الأم مواسيات “مَن تلد البنت تلد الصبي”، وعندما يأتي الملاك قابضاً يعظم فراق الرجل، ويعلو الندب.. كُسر عمود البيت، وفُقد الحامي، والمعيل، والأنيس، فيظلم الكون، ويخيّم الحزن، ويُقام العزاء كبيراً، وإذا ما قصد قرينته تغيب المظاهر البراقة إلّا ما أرضى الربّ، وإن أنصفها بعضهم فاستثناء وخروج على القاعدة.. فمنذ شاركته ألوهيتها؛ تطاول وتنازلت، ثمّ نصّب نفسه ربّاً…، وتفرّد بالقيادة؛ لكنّه عشقها وتعلّق بها، وغار عليها فقاتل من أجلها، واحتفظ بالسيطرة لتبقى امرأة ضعيفة تُنتهك حقوقها.. وهو رجل يهيمن ويتصرّف…، وعدالتة ترجّحُ كفّة ميزانه…

زرتها وفاء بالوعد.. وكما عهدتها معلمة تقطن في الذاكرة، وإنسانية باتساع الفضاء لطافة.. لمست فيها الأمومة حناناً، والأنثى الخالقة بأسمى معانيها.. تبادلنا الذكريات…، قلت: أمازلتِ تؤمنين: أن بتنوعنا، وباختلافنا نتكامل…، وتتشكّل ذواتنا الجمعيّة في العالم الواسع؟

– ضحكت.. يالشقاوتك.. لم تتغير، وقرصت أذني بودّ.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني