للأيّام تصاريف

0

تُرى!.. هل أتعرّفُ إلى مكانها؟ أما زالت تلك الشاهدة قائمة عند رأسها؟ تجوّلتُ بين القبور باحثة عنها إلى أن وجدت جدثها، وبقايا علامة ترحّب بي، وقفت دقائق صامتة.. مسحت دمعة ترقرقت… ثم ركعت وتلمّست تربته.. وضعت وردة، وهبّت نسمة دغدغت غرّتي فأرجعتني عقوداً إلى ذلك البيت الصغير.. جدّة تقوّس ظهرها، وتساقطت أسنانها، وأمّ ذابلة وذاوية كزهرة عطشى، وأخوات كدجاجات، وأنا الثالثة في الترتيب، والمميزة، ومن تستطيع السؤال والطلب؛ لأني اقتبستُ بعض شبه من جدّتي، وأبٌ لا تبين له سن إلّا مصادفة، متجهم لا يرضيه عجب عجاب، ولا يسكته أحد إذا ما زعل غير جدّتي، تأمره أن يرفق بزوجه التي تبدو على جسمها آثار كدمات باستمرار؛ فيرد: “إنها لا تنجب إلّا البنات”. وتجيبه: “انتظر مَن تلد الإناث تلد الذكور” فيحتار… ويخرج…

جلست قربه حين أتى شيخه المحبب لديه بمظهره المقزز، وبلحيته الكثّة يرسلها مهلهلة لتغطي صدره، وبشارب محفوف كتيس الجبل. نادى: “رحمة” حضّري الشاي واجلبيه هنا. ولمّا رآها صاحبه حدّق بها، ولوى رقبته وهمس بأذنه: زوجتك حلوة يا مضروب؛ لكنّها لن تهبك مَن يرث اسمك، وغمز.. طلّقها…

– لا أستطيع…

– لماذا؟

– إنّها ابنة خالي، وأمّي لا توافق…

– إذن.. تزوّج ثانية…

– أنت تعلم الحال، لا أقدر أن أعيل زوجتين

– زوّج ابنتك الكبرى…

– ما زالت قاصراً

– ألم تبلغ الثالثة عشرة؟

– بلى…

وقايضها بالمال رابعة إلى رجل أكبر منه سناً…

أتذكّر عاد عصراً. أخبرته الجدّة أنها حامل، وعسى أن تسعده هذه المرة بولد، ولمّا عرف أن الجنين أنثى استشاط غضباً، وسخر منها، وشتمها، وعلى غير توقّع كشفت عن امتعاض وسخط تخفيهما.. اعترضته، ورفعت صوتها في وجهه: كفاك.. ألست شريكي فيهنّ؟ فهجم عليها كثور مجنّح وضربها بعصاه الغليظة على رأسها فشجّه.. ترنّحت وارتمت أرضاً، فأسرعنا إليها وهي تتخبط والدم ينزف غزيراً، وعلا صراخنا فتفازع الجيران… كان يقف مشدوهاً وجدّتي تضغط على الجرح لتوقف النزيف عندما دخلوا، ولم تفلح فشهقت وزفرت آخر أنفاسها. جاءت الشرطة واقتادوه معهم، ومنذ ساعتها لم أره أو أسمع له خبراً…

تشتت الأسرة… اثنتان عند أختي الكبرى، وواحدة استضافتها عمّتي، ولزمت جدّتي أخدمها، وخيّم علينا حزن ثقيل، وألم ممض شهوراً، وأظلمت أيامنا، وانسدت السبل بوجهنا، ثم مرضت جدّتي، ولم تُجدِها الأدوية علاجاً… وأخيراً ارتقت روحها إلى بارئها، فتكفّلت بي جارتنا أم عيسى المختلفة عنّا، تلك المرأة التي كرهها أبي ومنعنا من زيارتها، أو التحدث معها. لم يكن لديها رجل.. استشهد ولدها في الجبهة، وابنتها سافرت مع زوجها خارج البلاد…

صرت سلوتها، اعتنت بي، ورعتني، وتابعت تعليمي حتى الشهادة الثانوية، وبوساطة قريبها حظيتُ بمنحة للدراسة في النّروج، وكانت رفيقتي، وزوّادة التشجيع إلى أن نلت الدكتوراه في العلوم الإنسانية. وفي حفل التتويج ضمّتني بقوة، وبريق السعادة يتلألأ في سماء عينيها الزرقاوين، وقالت: حبيبتي.. المرء بأخلاقه ملاك رائع.. ثقي بنفسك.. وليكن شعارك في هذه الدنيا الواسعة “الإنسان أولاً…”، وفكّت من رقبتها قلادة جميلة ورثتها عن أمّها تحلّيها دائرة يتوسطها صليب، وقلّدتنيها تزيّن عنقي…، عملت سنوات في معهد قبل أن تُصاب بمرض عضال لم تتماثل منه حتى اختطفها القدر مني فخسرت حدبها وحنانها، وغادرتني طيبتها جسداً، وتركتني روحاً قلقة… ندبتها طويلاً علّني أشفي جروح نفسي، ولأول مرة شعرت بالوحدة، وبالضعف بعد أن فقدت سنداً أتكئ إليه في ديار الاغتراب، فقرّرت الإياب…

عدت… وها أنا وحيدة أبحث عن جذوري…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني