
دقّت مسماراً في الجدار، وعلّقت الصّورة مقابل المدخل، بدت كأنّها ترحّب بالزائرين. وقفت وأخوتها والأصدقاء يتأملونها…، سألها أحدهم فسرح خيالها في الماضي لتستذكر كيف قضى والداها – وهما عائدان من المدينة – في حادث مؤلم هزّ كيانهم، وزلزل أركان البيت، وطفقت تتكلّم والدمع يبرق في عينيها: كانت أكبرنا وأنا الصغرى، لمّت شملنا حولها، وأحاطتنا كدجاجة تحضن فراخها، وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من العمر، فأصبحت الأمّ والأب، وقادت دفة سفينة تمخر بها عباب حياة ضنكة، وخاضت غمار دروبها غير هيّابة…، أنهت امتحانات الشهادة الإعدادية، ولتأمين لقمة العيش ذهبنا برفقتها إلى الحقول نجمّع سنابل القمح خلف الحصّادين.
ولضيق فرص العمل في الريف انتقلنا إلى المدينة. انقطعت عن الدراسة، وتابعنا في المدارس. شجّعتنا على المثابرة، وساعدتنا في الواجبات. اشتغلت في البيوت.. نظّفتها ورتّبتها، طبخت.. وغسلت الثياب، ونسّقت الورود في جنبات المنزل كما يريدون. سهرت الليالي تحيك بالسنارة الشراشف والوسائد، ولم تهمل الكتاب فتقرأ ما تيسّر حين نخلد إلى النوم.
لم تمدّ يدها لأحد.. عوّدتنا الاعتماد على النفس.. صنعنا من ورق الإسمنت أكياساً مختلفة الأحجام، وبعناها للدكاكين في الحارة، وتاجر أخوتي بالخضار على الأرصفة، وخِطنا بقايا الثياب وحوّلناها ألعاباً للأطفال، ولم نترك فرصة ولو بسيطة أيام العطل الرسمية فاستغللناها بما نستطيع. ورغم إصابتها بذات الرئة قاومت الألم، ودفعتنا بهمة عالية للتعلّم “إنّه مستقبلكم المنتظر…”. أخذنا منها أمثولة عندما نجحت في الثانوية العامة، والتحقت بكلية الحقوق، ونشطت في المجتمع المدني، فانضمت إلى جمعية مناهضة العنف ضد المرأة، ومؤسسة رعاية الأطفال الأيتام، كما عملت معلّمة وكيل، وأعطت دروساً في المعاهد الخاصة، وأشرفت على طلاب كثيرين لتحسين مستواهم…
وبعد التخرّج في الجامعة انتسبت إلى نقابة المحامين، ولمّا صارت أستاذة استدانت من المصارف، وفتحت هذا المكتب، ولمع اسم “كفاح السيد” محامية قديرة ترود أروقة المحاكم، و ترافع في معارج القضاء. وبفضلها تخرّجنا في جامعاتنا مهندساً مدنياً، ومدرس علوم، وأقتفيت أثرها في المحاماة.. تدرّبت على يدها، وتعلمت أساليب المرافعة منها..، وضحكت لنا الدنيا أياماً – ومن أسف – لم تطل، فاشتد مرضها.. تحمّلت الأوجاع، وصبرت صبر أيوب، ودون أن تنكسر غالبته ما استطاعت… وأخيراً كان الأقوى فغلبها؛ لكنّها انتصرت عليه بنا، فروحها معنا لنتابع مشوارها، وها هي، ببسمتها وفي مكتبها، تستقبلكم على الرّحب والسعة…