عَلامَاتُ التَّرْقِيمِ ودورُها في إنتاجِ الدلالة.. دراسةٌ فِي قَصِيدَةِ (لا تُصَالِحْ) لأَمَل دُنْقُل

0

يتميّز النص الشعري بعناصر كثيرة تُضاف إلى الكلمات لتُعطي رؤية مُوازية للمعاني والأفكار، إنها رؤية ما لم يتلفّظ به الشاعر، رؤية المسكوت عنه عند الشاعر، وتلك العناصر منها ما لم يقصده الشاعر، كالدلالات الصوتية للحروف، ومنها ما يعمد إليه الشاعر قاصدًا الإشارة إلى دلالات معيّنة، كعلامات الترقيم، التي تؤدي دورًا كبيرًا في فهم النص، وتنظيم قراءته، واستخراج معانٍ خفيّةٍ من بين الكلمات، كما أنّ «تنظيم الشكل الكتابيّ للشعر يُعدُّ من أهم تجليّات هذه الخاصيّة من خواص النصّ الشعريّ؛ ذلك أنّ تنظيم الكتابة الشعريّة يُتيح إمكانيّة رصد عدد من قوانين العلاقة بين البنية الشعريّة والبنية اللغويّة العامة» ([1])، وقد أَدَّتْ علامات الترقيم المختلفة «إلى تطعيم النص بدلالات مُتعدّدة، ووظائف جديدة، وانحرفت ـ في الغالب ـ عن دلالاتها المعروفة؛ فأدّتْ وظيفتينِ: شكليّة ودلاليّة» ([2]).

وقد استطاع أمل دنقل في قصيدة (لا تصالح) أن يوظِّف علامات الترقيم لتكون عاملاً مُساعدًا له على المقاومة والرفض، إنّه يُقاوم بالنص شكلاً ومضمونًا، وسواء أكان استخدامه لعلامات الترقيم في توظيفها الأصليّ، أم استخدم فيها الانزياح باستخدامها في غير موضعها؛ فإنّ لكلّ استخدامٍ دلالته الخاصة في سياق النص.

ومن أبرز علامات الترقيم في قصيدة (لا تصالح) علامة الحذف (…)

وهي نقاطٌ تُشير إلى حذف بعض الكلمات في هذا الموضع، وهو ما يُعبَّر عنه بالفراغ، «والفراغ هو المُقابل للصمت، وقد يحتمل الحذف من الدلالات وتعدُّد القراءة ما لا يحتمله النص المكتوب»([3])، ولا أراها إلا تركَ مساحةٍ من التخيُّل والتعبير الداخلي لدى القارئ، ومُحاولةً من الشاعر لجعل القارئ مُشاركًا بتفكيره وإحساسه في تصوُّر النص والتفاعل معه؛ فكلُّ قارئٍ يملأ هذا الفراغ بما يتناسب مع شخصيّته وثقافته الخاصة؛ فإذا نظرنا إلى قوله:

أَتُرَى حِينَ أَفْقَأُ عَينَيكَ،

ثُمَّ أُثَبِّتُ جَوهَرَتَينِ مَكَانَهُمَا..

هَلْ تَرَى..؟([4])

إن الفراغ الذي جاء بعد قوله (هل تَرى) يحتمل الرؤية الحسيّة؛ بمعنى: هل سترى الأشياء حقيقة بالجوهرتين بدلاً من عينيك؟!، كما تحتمل الرؤية الإدراكيّة بمعنى: هل تُدرك الفرق بين الحالتينِ؟ وهل تُدرك حجم المأساة والخُسارة؟ وهل تشعر بصدمة الانخداع فيما أخذتَه وما تخلّيتَ عنه؟. وفي قوله:

هَذَا الحَيَاءُ الذِي يَكْبِتُ الشَّوقَ.. حِينَ تُعَانِقُهُ،

الصَّمْتُ – مُبْتَسِمِينَ – لِتَأْنِيبِ أُمِّكُمَا..([5])

يستدعي هذا المشهد الحنين إلى الماضي، واستجلاب الشعور بدفء الأسرة وحب الأخ؛ فكان لا بُدّ من ترك الفراغ الذي يُمثّل لحظات الصمت والتذكُّر؛ فلكل قارئٍ ذكرياته الخاصة التي سيستدعيها في تلك اللحظة. وفي قوله:

تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةُ الأَبَدِيَّةُ بَينَكُمَا:

أَنَّ سَيفَانِ سَيفَكَ…

صَوتَانِ صَوتَكَ..([6])

أتبع الشاعرُ كل بيت بعلامة حذف لكثرة ما يُمكن أن يُقال في هذا معنى (الطمأنينة)؛ فالأخ هو القوّة والرأي والمشورة وأشياء أخرى كثيرة؛ فهو السند الذي ولا يتغيّر، والصوت الذي سيبقى معك حين لا يبقى أحد؛ فإذا تخيّلنا البيتين بنقطة واحدة بعد كل بيتٍ، أو من دون نقاط مُطلقًا؛ فلن نستشعر هذا المعنى الاستمراري الذي أفادته نقاط الحذف. وفي قوله:

أتَنْسَى رِدَائِي المُلَطَّخَ..([7]). حذف كلمة (بالدم) واضعًا نقطتانِ مُتتابعتانِ، وهذا الحذف يطرح بعض التساؤلات، وهي: هل يحتاج الرداء المُلطّخ إلى بيان المادة التي لطّختْه؟، أم أنّ كلمة (مُلطّخ) تَخْتَزِنُ في داخلها ما يدلُّ على المحذوف.

ونستشعر أيضًا تأثير نقاط الحذف في التعبير عن الحزن الدفين عندما تحدّث عن ابنته اليمامة، وحرمانها من أبيها، ووصفه للحظات التي جمعت بينهما في قوله:

كُنْتُ.. إِنْ عُدْتُ:

تَعْدُو عَلَى دَرَجِ القَصْرِ..

تُمْسِكُ سَاقَيَّ عِنْدَ نُزُولِي…

فَأَرْفَعُهَا – وَهِيَ ضَاحِكَةٌ –

فَوقَ ظَهْرِ الجَوَادْ.

هَا هِيَ الآنَ.. صَامِتَةُ

حَرَمَتْهَا يَدُ الغَدْرِ:

مِنْ كَلِمَاتِ أَبِيهَا..([8])

فهذا الصمت والفراغ الذي يتخلّل الكلمات يجعلنا نستشعر حُزْن كُلَيب/الشاعر، وتأثّره لحرمان ابنته منه، ولو انتُزِعتْ النقاط في هذا الموضع تحديدًا لقُرِأتْ الكلمات بشكلٍ مُتتابع، ولم تُعطِ تلك الدلالة الإيحائيّة للصمت؛ فلا نشعر بهذا الحُزْن العَمِيق.


([1]) يوري لوتمان: تحليل النص الشعري؛ بنية النص، ترجمة محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، د. ت، ص106.

([2]) علاء الدين علي ناصر: دلالات التشكيل البصري الكتابي في النص الشعري الحديث، مجلة الأثر، كلية اللغات والآداب، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، الجزائر، العدد (29)، ديسمبر 2017م، ص 123.

([3]) المرجع السابق، ص 235.

([4]) أمل دنقل: الأعمال الكاملة، ص 327.

([5]) المصدر السابق، ص 328.

([6]) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

([7]) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

([8]) أمل دنقل: الأعمال الكاملة 233

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني