الوعد

0

راقبه مراراً.. تأكّد أنّه وحيد، ما أن تغرب الشّمس يصكّ الباب، ويغلق النوافذ. انتظر ليلة تحجب الغيومُ قمرَها، تسوّر جدار الحديقة، وتسلّل عبرها متخفيّاً في ظلال الشّجيرات، استدّل من بطء حركة شبحه خلف الستائر أنّه رجل عجوز، قصد نافذة المطبخ وعالجها حتى انفتحت، تسرّب شعاع ضعيف من الداخل، اعتلى حافتها، ودلف بخفة هرٍّ دون أن يثير أيّة ضجّة، وعبر إلى الصّالة، ضوء خافت يصدره مصباح اتّسخت زجاجته، وشيخ متهدّم يجلس على كنبة قديمة، ويمسك بكلتا يديه عصاً يسند ذقنه عليهما، فيبدو كتمثال لولا حشرجة تنفّسه.. مشى خطوات يتحسّس الأرضيّة.. نبضه يتصاعد، ويكتم أنفاسه كلّما اقترب منه، اصطدمت قدمه بآنية.. توقّف.. لم يلتفت أو يتحرك.. ظنّه أصمّ فتابع تقدمه وعيناه تبحث في الأنحاء، تفصله عنه خطوة.. وخطا وما درى كيف تعثّر برِجْل العجوز فانهالت عليه العصا، وقبض عليه، ورماه أرضاً وجلس فوقه، فصرخ من الألم.. صوت فتى.. نهض… وأجلسه ودون أن يفلته حرّك فتيل المصباح فأنار المكان.. كم عمرك؟

– أحدَ عشرَ عاماً

– ولماذا تسرق…؟

– لأطعم أخوتي وأمّي

– وأبوك؟

– لا أدري، هاجر وانقطعت أخباره…

– أين تسكن؟

– في ملجأ قريب

– وتذهب إلى المدرسة؟

– أتغيّب أحياناً لأبحث عن طعام

– هل أنت جائع؟ أتأكل…؟

– نعم،…

– تعالَ.. ولحق به.. أغلق نافذة المطبخ.. فتح خزانة وتناول منها أرغفة خبز وقطع جبن، وصنع شطائر.. أعطاه واحدة.. قضم جزءاً صغيراً وراح يمضغه متمهّلاً وكأنّه لا يستطيع بلعه.. ما بك؟ ألا يعجبك طعمها؟

– بلى…، تذكّرت أخوتي الجائعين…

جمع كلّ ما يؤكل.. خذه لهم يا ولدي، وعد غداً معهم لنرتّب أمور عيشكم، ومسكناً مناسباً.

– يا سيدي، أنت طيب مثل جدّي

– وهل هو حيّ؟

– لا، لقد مات وجدّتي

– متى…؟

– قبل سنتين تقريباً

– وكيف…؟

– سقط برميل متفجّر على الحارة فانهار البيت فوقهما…

– وأنت تشبه حفيدي…

– أين هو؟

– لدغته أفعى أزمة متوحّشة فارتقت روحه إلى بارئها…

وعند المدخل استمهله، وضع يده على كتفه.. أتعدني؟

– بماذا؟

– بأمرين…

– ما هما؟

– ألا تسرق أبداً، ولا تنقطع عن الدراسة

– أعدك…

فتحا راحتيهما.. وصفّقا كفاً بكف…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني