شعاع…

0

ما هذا…!؟ .. كلّ ما حولي أخضر.. السّقف.. الجدران.. وأغطية الأسِرّة، وكمّامة على أنفي وفمي وأنابيب…، أدركت أنّي في العناية الفائقة. فأنا منذ سنة ونيّف أشعر بأنين شراييني، وتراجع خفقان نبضي، وأدعو أن تمتدّ بي الأيام لتكبر أمانة سعيد وزوجه التي خلّفها قدرهما… أغمضتُ فتعانقت جفوني.. وتساءلتُ: لِمَ أنا هنا؟ ماذا أصابني؟ ومَن جلبني…؟ وكيف…؟ أين زُهْرة؟ وأي إنسان يحنو عليها ويعتني بها؟ واختطفتني الذّكريات بعيداً…، كنّا أربعة في السّيارة.. صغيرانا يزقزقان في الخلف فرحَيْن سيسبحان في البحر، ويلعبان فوق الرّمال الذّهبية.. الوقت أصيل وأشعّة الشّمس تنعكس على الزّجاج الأمامي فيكاد الطّريق يتوه، وعند منعطف كانت المفاجأة تنتظرنا.. قابلتنا شاحنة وجهاً لوجه فغابت الغزالة، وأظلمت الدّنيا…، الخراطيم نفسها مربوطة بيديّ. استفسرت عن أبي سعيد، قالوا: بخير…، ولم أره إلّا في الحلم، وصغيراي؟ ردّوا: رضوض بسيطة…، وتابعت العيش معهما سنوات ضنك بمرتب معلمة، وماكينة خياطة حتى تخرّجا في الجامعة. وتزوّج سعيد وأهداني حفيدة حلوة لتنعش ما تبقّى لي…، وبعد أن قست الحياة…وعلت الهتافات في السّاحات والشّوارع فنزف الدّم سخياً، وضاقت الأحوال، هربنا من حيّ إلى آخر، ومن حارة لغيرها، واستضافتنا بيوت عديدة والموت يترصّد خطواتنا، ومن سوء طالعنا تربّصت بنا مجموعة ذئاب بشريّة.. تصيّدتنا، وقطعت طريقنا، وقبضت علينا. حاول سعيد التّفاهم معهم فأردوه قتيلاً برصاصتين في صدره وثالثة في صدغه، واقتادوا أخاه سعداً…وأخذوني وامرأة سعيد وصغيرته إلى بيت مهجور، وهناك شتمونا بأقذر العبارات.. وأذلّونا خاصة كنتي.. وكونها شابة لعب الشّيطان بهم.. طمعوا بها.. ضربوها.. وعرّوها.. واغتصبوها أمامي وهي تتألم وتصرخ فيكتمون صوتها وأنا أضم ابنتها، وأحجبها عن رؤية أمّها، ولمّا فرغوا منها لم يتركوها مغمى عليها فذبحوها كشاة…، ثم ضربوني بأعقاب بنادقهم، وهدّدوني بإزهاق روحينا، وغادروا وهم يقهقهون منتشين…، كانت الصّدمة باغتصابها أكبر من مقتل سعيد وفقدان سعد. وأكملتُ المشوار مع يتيمة الأبوين في مخيم أعدُّ الأيام، وأترقب فرجاً ما حتّى تناقلت الأخبار انقلاب صفحة أخرى من كتاب مظلمة طالت…، ولمّا عدتُّ وجدت بيتنا كومة أنقاض فرجعت إلى خيمتي…

جاءت ممرضة هنّأتني بالسّلامة، لقد نجوتِ بأعجوبة يا خالة، توقّف قلبك مرتين، ثمّ نبض من جديد. غداً سنفصل هذه الأجهزة عنك، وننقلك من هنا…، وفي اليوم التّالي سمعت تغريد زُهْرتي: أين جدّتي؟ وأقبلت نحوي مسرعة فضممتها وقبّلت جبينها.. عند مَن كنتِ يا حبيبتي؟ أجابت: ظللت مع جارتنا الخالة سعاد، ووضعت شفتاها ملاصقة لأذني وهمست: البشارة لي..

– وما هي ياحبّة القلب؟

– أتتوقعين…؟

– لا… هاتيها

– أمس سمعت الرّجال وهم يتحدثون

– أجل، ماذا يقولون؟

– ضحكت.. ونطقت الكلمات متقطّعة:

إنّهم..

قرؤوا..

اسم..

عمّي..

بين..

المعتقلين..

المحرّرين…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني