بين ضفتين

0

ضربة.. ونزّ الماء.. هاج الدم في عروقي، ثانية.. وانبجس من بين الحجارة، وثالثة فتفجّر سخياً. اجتاحتني ثورة فرح.. غمرتني من شعر رأسي إلى أخمص قدميّ.. صرختُ.. تردّد الصدى في جنبات البئر، نادتْ مابك؟!

الله أكبر يا سلمى! الماء يتدفّق يا حبيبتي!.

أمسكتُ المعول.. اقتلعتُ حجراً.. حررت المجرى.. وضعت الحجارة في السّلة وهززت الحبل لترفعها وتعيده، وبين ذهابها وعودته ارتفع الماء وغمر ساقيَّ إلى ما تحت الركبة. ربطتُ وسطي، وشرعت بالتسلّق.. نبضات القلب تدقّ في صدري، فتتراقص أضلعي.. استقبلتُ شمساً ساطعة.. زممت جفوني، ومن بين الرموش تسربت أشعتها.. خطوة أخيرة.. تناولتني يد سلمى.. وقفنا.. برقتْ عيناها.. وزغردتْ.. فحضنتها بقوة.. وشددتها لتنغرس فيَّ.. فتأوّهتْ.. ووشوشتْني: على رسلك. طفنا حول نفسينا.. كانت فراشة تفرد جناحيها وثوبها مروحة.. درنا حتى كدنا نسقط أرضاً. لحظات من الفرح تغمرنا، هل نقف على الأرض أم نطير في الجوّ؟! نسينا تعب الأيام، وتشقق الأيدي في الحفر، ورفع الحصى والأتربة، لم يذهب تعبنا هدراً.. تحقق الحلم الذي آمنا به.

فوق كومة خليط رُفِعتْ من جوف الأرض وتكوّمت تلّة قرب البئر جلسَتْ. فردتُ جسمي ورأسي في حجرها. همستُ كم أنا محظوظ بكِ.. افترّتْ شفتاها، وعبثت أصابعها بشعري. جاشت الذكريات، وسرحت بي عائدة إلى أيام المدرسة، فتاة ممشوقة القد، ذكية، ونشيطة، تتعمّد مضايقتي، ربّما بدافع المنافسة والغيرة، أو لأنها بنت الشيخ، وأنا ابن المرابع…، وربما استفزازاً لي وتنفيساً عن مشاعر مكبوتة يمنعها كبرياؤها التلميح بها. غمزتها الساخرة إذا تفوقت بدرجة، وحرصي على عدم إزعاجها إذا ما كان العكس…

تذكّرت خوفها عليّ عندما التهبت مظاهرات الطلاب تندّد بانفصال وحدة سوريا ومصر: “إيّاكَ أن تخرج غداً…”. خرجتُ، ونلتُ ما نلت ضرباً مبرّحاً من أخيها ورفاقه، كدتُ أفقد حياتي، وهمستها: الله معك، لا تنسَ مشاغباتنا، وقبلتها العجلى على وجنتي قبيل شروق الشمس وأنا ذاهب إلى المعهد الزراعي. رسائلنا، وتحوّل المشاكسات إلى ودّ وصفاء.. اتفاقنا على الزواج بعد التخرج…، وعاصفة أسرتها، ورفضها خطوبة ابن المرابع لبنت السماء.. وتحدّيها لقرار أسرتها، وعقد قراننا في دار القضاء، وتهديدنا بالنزوح عن القرية، ورفضنا الخضوع.. ومعارضتها قراري بالسفر، ووقوفها جنبي لنعمل بالحقل الذي أبى والدي بيعه، وتصميمنا على حفر بئر لاستخراج الماء…

قالت وأناملها تدغدغ رموشي: هل نمتَ أم أخذتك الأفكار بعيداً؟

ابتسمتُ وسألتها: هل أنساكِ الماءُ الجوعَ؟

– الفرحة سرقت مني كلّ شيء إلّاكَ…

أمسكتُ يدها.. نهضنا تغبطنا السعادة، ويممنا شطر بيتنا…

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني