محاكمات نجيب ووسيم الأسد وحسون: أحكام مشددة وأسئلة مفتوحة أمام العدالة في سوريا الجديدة

0 9

لا تُقاس العدالة بقسوة العقوبة وحدها، بل بقدرة القضاء على كشف الحقيقة، وإثبات المسؤولية الفردية، وإنصاف الضحايا ضمن إجراءات عادلة وشفافة. ومن هذا المنطلق، تكتسب محاكمات عاطف نجيب ووسيم بديع الأسد وأحمد بدر الدين حسون أهمية تتجاوز الأحكام الصادرة بحقهم، لتطرح سؤالاً جوهرياً أمام سوريا الجديدة: كيف تتحول محاسبة المتهمين بانتهاكات جسيمة إلى مسار قضائي مستقل يرسّخ سيادة القانون، ويمنع الإفلات من العقاب، ويحفظ حقوق جميع أطراف الدعوى؟

في تقرير صدر بدمشق في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، استعرضت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مجريات المحاكمات الثلاث أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، وصولاً إلى الأحكام الصادرة في 11 و18 و24 آب/أغسطس الماضي، على التوالي. وقضت المحكمة بإعدام نجيب ووسيم الأسد، وبالسجن المؤبد لحسون. وصدرت الأحكام وجاهياً بحق المتهمين، ولا تزال قابلة للطعن أمام محكمة النقض.

ورصدت الشبكة ضمانات إجرائية خلال الجلسات التي تمكن فريقها من مراقبتها، إلى جانب مسائل تستدعي مزيداً من التدقيق، أبرزها علنية الجلسات، وتوقيت تمكين الدفاع من الاطلاع على تقرير الخبرة الفنية، والتوازن بين حماية الشهود وحق المتهمين في مناقشة الأدلة.

وشددت الشبكة على أن تقريرها لا يفصل في المسؤولية الجنائية للمتهمين، ولا يعني تبنّيها تقييم المحكمة للأدلة أو تكييفها القانوني للأفعال أو العقوبات التي أصدرتها. وميّزت بين الوقائع التي رصدها فريق المراقبة، وادعاءات النيابة والشهود والمدّعين بالحق الشخصي، ودفوع الدفاع، والنتائج التي انتهت إليها المحكمة.

ثلاث قضايا.. وثلاثة مسارات للإثبات:

تعلقت قضية عاطف نجيب، الذي ترأس فرع الأمن السياسي في درعا، بأحداث شهدتها المحافظة منذ آذار/مارس 2011. واستمع القضاء إلى عشرات الشهود بشأن اعتقال أطفال على خلفية كتابات على الجدران وتعذيبهم المزعوم، وإطلاق النار على المتظاهرين، والأحداث التي شهدها الجامع العمري، والتسلسل القيادي بين الفروع الأمنية في درعا ودمشق.

وتفاوتت الشهادات بين روايات قال أصحابها إنهم عاينوا الوقائع مباشرة، وأخرى استندت إلى معلومات من أطراف ثالثة. كما ذكر بعض الشهود أنهم لم يشاهدوا نجيب في المواقع التي تحدثوا عنها. ورفض نجيب شهادات الإثبات المقدمة ضده، فيما استمعت المحكمة، بناءً على طلب الدفاع ومن دون اعتراض النيابة العامة، إلى شاهد عبر الاتصال المرئي.

وأدانت المحكمة نجيب بجرائم شملت القتل قصداً، وقتل أطفال دون الخامسة عشرة، والتحريض على القتل، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، وكيّفت الأفعال التي أدانته بها بوصفها جرائم ضد الإنسانية. وقضت بإعدامه، مع فرض عقوبات إضافية عن جرائم أخرى وتطبيق العقوبة الأشد وفق ما ورد في الحكم. كما أصدرت أحكاماً غيابية بحق متهمين آخرين فارّين في القضية نفسها.

وأوضحت المحكمة أن حكم نجيب، المؤلف من 396 صفحة، سيُنشر على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل بعد حذف البيانات التي قد تكشف هويات الشهود المشمولين بالحماية.

أما قضية وسيم بديع الأسد، فتناولت اتهامات تتعلق بتشكيل مجموعات مسلحة وإدارتها، والقتل، والابتزاز، والاتجار بالمخدرات. ووفق التقرير، تضمنت شهادة أحد شهود الإثبات ادعاءات بشأن التهديد والابتزاز أنكرها المتهم. كما أحالت المحكمة أحد المدّعين بالحق الشخصي إلى طبيب شرعي، وأُدرج في الملف تقرير طبي أثبت وجود عجز بنسبة 35 بالمئة من كامل الجسم.

وخلصت المحكمة إلى أن وسيم بديع الأسد شكّل مجموعتين من المقاتلين الرديفين وأشرف عليهما، وأنهما انتشرتا في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية بين عامي 2012 و2014 تقريباً. وقضت بإعدامه عن جرائم شملت القتل العمد مع سبق الإصرار، والقتل المقترن بالتعذيب والوحشية، والحرمان من الحرية والتعذيب. لكنها برّأته من تهمتي تهريب المخدرات والاتجار بها لعدم كفاية الأدلة، مع الإشارة إلى إمكان إعادة تحريك الدعوى إذا ظهرت أدلة جديدة. وأحالت نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين بشأن رفات أشخاص أُفيد بدفنها في بساتين المليحة عام 2012.

وفي قضية أحمد بدر الدين حسون، المفتي العام السابق، تناولت الاتهامات التحريض على العنف والقتل، وإثارة الاقتتال الطائفي، والاشتراك في القتل، وإساءة استخدام النفوذ. وبناءً على طلب الدفاع، أمرت المحكمة بإجراء خبرة فنية على تسجيلات مصورة بواسطة لجنة من ثلاثة خبراء.

ووفق ملخص تقرير الخبرة الذي تلي أمام المحكمة، كانت التسجيلات مقتطفات من مواد أصلية، ولم يؤثر اقتطاعها في قيمتها الإثباتية، وهو استنتاج تبنّته المحكمة. في المقابل، أنكر حسون إصدار أي فتوى تدعو إلى القتل. وأدانته المحكمة بجرائم شملت الاعتداء الرامي إلى إثارة حرب أهلية واقتتال طائفي، والتحريض على القتل قصداً، والاشتراك الأصلي في القتل قصداً، وجرائم أخرى، وقضت بسجنه مؤبداً، رغم طلب النيابة العامة الحكم بإعدامه. كما نص الحكم على عدم استفادته من العفو أو الإفراج الشرطي.

علنية المحاكمات وحق الدفاع:

وثّق فريق الشبكة تمثيل المتهمين بمحامين، وتقديم الدفاع مذكرات وطلبات، وإتاحة الفرصة للمتهمين للرد على الشهادات والإدلاء بكلماتهم الأخيرة. كما استجابت المحكمة لطلبات فحوص طبية وخبرات فنية، وشارك المدّعون بالحق الشخصي في الإجراءات عبر ممثليهم القانونيين.

لكن وجود هذه الإجراءات لا يكفي وحده للجزم بأن حق الدفاع مورس بفاعلية؛ إذ يتطلب التقييم معرفة مدى تمكين المحامين من الاطلاع على الأدلة، والوقت المتاح لدراستها، وإمكان مناقشتها والطعن فيها.

وسجل التقرير تفاوتاً في علنية الجلسات. ففي عدة جلسات من محاكمة نجيب، اقتصرت التغطية الإعلامية على وسائل إعلام تابعة لوزارة العدل، بينما قررت المحكمة إغلاق إحدى جلسات محاكمة الأسد أمام الجمهور عند بدء الاستماع إلى شهود الإثبات. وترى الشبكة أن علنية المحاكمات هي الأصل، وأن أي قيود عليها ينبغي أن تستند إلى أسباب مشروعة ومعلنة، وألا تتجاوز ما تقتضيه الضرورة.

وفي محاكمة حسون، أفاد محامي الدفاع، خلال المرحلة الختامية، بأنه لم يحصل على تقرير الخبرة الفنية. غير أن الشبكة أكدت أن هذا التصريح لا يكفي وحده لإثبات وقوع انتهاك؛ فالأمر يتوقف على توقيت إتاحة التقرير، والوقت الممنوح للدفاع لدراسته، وإمكان مناقشة الخبراء والطعن في استنتاجاتهم. كما أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق من منهجية لجنة الخبرة، ولا تتبنى نتائجها الفنية.

واتخذت المحكمة تدابير لحماية الشهود، شملت استخدام رموز بدل الأسماء، وإخفاء الملامح، وحفظ بيانات الهوية في ملفات سرية. وتبرز هنا ضرورة الموازنة بين حماية الشهود من المخاطر المحتملة وضمان قدرة الدفاع على اختبار موثوقية الشهادات. كذلك لا يمثل عدد الشهود، بحد ذاته، دليلاً على قوة الاتهام؛ إذ ينبغي تقييم كل شهادة وفق مصدرها واتساقها مع الأدلة الأخرى.

وأشارت الشبكة إلى أن مراقبتها اقتصرت على الجلسات والمواد التي أتيح لفريقها الاطلاع عليها، وأن بعض الجلسات أو أجزاء منها لم تكن متاحة، ولذلك لا يشكل تقريرها مراجعة شاملة لجميع محاضر التحقيق والأدلة في القضايا الثلاث.

المساءلة بوصفها مساراً طويلاً:

تناولت الأحكام مسائل تتصل بتطبيق القانون الوطني والقانون الجنائي الدولي، وكيّفت المحكمة بعض الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات السوري العام. وتؤكد الشبكة أن هذه التكييفات تمثل استنتاجات المحكمة، وأن مراقبتها لم تتضمن تقييماً مستقلاً لمدى توفر الأركان القانونية للجرائم أو كفاية الأدلة لإثبات المسؤولية الفردية.

وتضمنت أحكام قضيتَي الأسد وحسون إشارات إلى توثيقات الشبكة المتعلقة بالضحايا والحوادث. ويمكن للتوثيق الحقوقي أن يسهم في دعم العمل القضائي، لكن إثبات المسؤولية الجنائية الفردية يظل من اختصاص القضاء، وفق قواعد الإثبات وقرينة البراءة، وبناءً على الدور المحدد لكل متهم، لا على افتراض المسؤولية الجماعية.

ودعت الشبكة إلى نشر الأحكام كاملة ومعلّلة، مع حماية هويات الشهود، وضمان علنية الجلسات وإتاحة المراقبة المستقلة، وتمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة وتقارير الخبرة في الوقت المناسب. كما أوصت بوضع إجراءات واضحة للتحقق من الأدلة الرقمية وسلامتها وسياقها، وتدوين أسباب القرارات الإجرائية، وإتاحة مناقشة الخبراء وطلب خبرة مضادة حيث يسمح القانون بذلك.

وشددت كذلك على إصدار أحكام تعويض قابلة للتنفيذ، والحفاظ على الأدلة المتعلقة بالمفقودين، وحماية حقوق الضحايا الذين لم تشملهم القضايا، وتعزيز استقلال القضاء وقدراته على التعامل مع الجرائم الجسيمة والأدلة الرقمية والشهادات التي تتطلب إجراءات خاصة. ودعت إلى إتاحة المعلومات المتعلقة بإجراءات الطعن ومواعيده ونتائجه للعموم، ومواصلة المراقبة المستقلة خلال هذه المرحلة.

فالمحاسبة القضائية مكوّن أساسي من العدالة الانتقالية، لكنها لا تنفصل عن كشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومعرفة مصير المفقودين، وإصلاح المؤسسات. ولا تُبنى الثقة بالقضاء من خلال العقوبات وحدها، بل من خلال إجراءات يستطيع المجتمع فهمها ومراجعتها، وضمانات تُطبّق على الجميع دون استثناء.

فهل تنجح سوريا الجديدة في تحويل هذه المحاكمات إلى بداية لمسار قضائي مستقل وشفاف، ينصف الضحايا ويحاسب المسؤولين، ويؤسس لدولة يحكمها القانون لا الانتقام، وتكون فيها العدالة حقاً للجميع؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني