خان أسعد باشا.. من مجد العثمانيين إلى ذاكرة دمشق الحيّة

0 41

في قلب سوق البزورية يقف خان أسعد باشا كأحد أهم الشواهد العمرانية على التاريخ العثماني في دمشق. يقف اليوم شاهداً على طبقات التاريخ التي مرّت فوق حجارة المدينة وأسواقها، فمنذ تأسيسه في منتصف القرن الثامن عشر ظل هذا الصرح محافظاً على حضوره المهيب، ليقدّم نموذجاً فريداً عن العمارة الدمشقية التي جمعت بين الجمال والوظيفة وبين التجارة والسلطة والهوية الحضرية التي حافظت عليها دمشق عبر العصور.

شُيّد الخان عام 1753 على يد الوالي العثماني أسعد باشا العظم أحد أبرز حكّام دمشق خلال تلك الفترة الذي أراد أن يترك بصمة عمرانية تعكس نفوذه السياسي ومكانته في الدولة. اختار موقعاً استراتيجياً في سوق البزورية القلب التجاري النابض للمدينة ليبني أكبر خان في دمشق مستخدماً الحجر الأسود والأبيض بأسلوب “الأبلق” الذي ميّز العمارة الدمشقية في تلك الحقبة. يتوسط الخان فناء واسع مكشوف للسماء، تحيط به غرف متعددة الطوابق كانت تُستخدم للتجارة والتخزين والمبيت، بينما ترتفع فوقه القباب الداخلية في تشكيل هندسي دقيق يعكس براعة البنّائين الدمشقيين.

خلال العهد العثماني كان الخان مركزاً تجارياً حيوياً تستقبل أروقته التجار القادمين من الأناضول والعراق وإيران، إضافة إلى القوافل التي تحمل الحرير والتوابل والزيوت والصابون الدمشقي الشهير. وقد ساهم موقعه في تعزيز دوره الاقتصادي، إذ شكّل نقطة التقاء بين التجار المحليين والأجانب، ما جعله جزءاً أساسياً من شبكة الخانات التي اعتمدت عليها دمشق كعاصمة تجارية في الشرق.

ومع دخول القرن العشرين تغيّرت وظيفة الخان تدريجياً. فقد تراجع دوره التجاري مع تبدّل أنماط النقل وظهور وسائل التخزين الحديثة لينتقل إلى استخدامات أخرى مثل المستودعات أو مواقع التصوير السينمائي. ورغم ذلك بقي الخان محتفظاً بقيمته المعمارية، ما دفع المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى إطلاق مشاريع ترميم واسعة لإعادة الحياة إليه والحفاظ على تفاصيله الدقيقة.

خلال العقود الأخيرة عاد الخان إلى الواجهة بوصفه معلماً سياحياً وثقافياً واهتماماً متزايداً من الباحثين والمهتمين بالتراث باعتباره نموذجاً فريداً للعمارة العثمانية في سوريا. وقد ساهمت مشاريع الترميم في إعادة فتحه أمام الزوار، ليصبح اليوم مقصداً سياحياً وثقافياً، تُقام فيه فعاليات فنية ومعارض تراثية تعرّف الجمهور بتاريخ دمشق وأسواقها القديمة. كما تحوّل إلى مساحة للتصوير الفوتوغرافي بفضل جمال قبابه وأقواسه التي تمنح المكان طابعاً بصرياً فريداً.

ورغم ما مرّت به المدينة من تحديات بقي خان أسعد باشا صامداً محافظاً على دوره كجسر بين الماضي والحاضر. فهو ليس مجرد مبنى أثري بل ذاكرة حيّة تروي قصة مدينة دمشق التجارية ومرحلة من تاريخها العثماني.

استطاعت أن تحمي تراثها وتعيد إحياءه رغم تغيّر الأزمنة. واليوم يقف الخان شاهداً على قدرة دمشق على الحفاظ على هويتها، ليبقى واحداً من أبرز معالمها وأكثرها حضوراً في الوعي الثقافي والسياحي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني